
حاوره : محمد الماجري
أحيانا اسأل نفسي هل أنا اكتب الأسئلة ام هل أن الأسئلة تكتبني، فيجيب المداد على الورق: أكتب وداعب أوتار حبري علّك تنقش في ذاكرتي أحرف الذاكرات فألد الحرف بعد مخاض وأكتب رسم يد رودان في شتى تشكلاتها، وأرسل إليك حنين النقد وحنين الكتابة من رجع تاريخي ومتون مستقبلي.
ضمن هذا الإطار نحاور الروائي والناقد الدكتور محمود طرشونة، علّه إنسانا يكون من أبحر الحروف وكتب مرصوفة جادة من المكتبة العربية.
أسئلة الأدب والنقد والثقافة
ناقد وروائي واستاد التعليم العالي بالجامعة التونسية (مند 1971)المؤلفات
كتب نقدية
- الادب المريد في مؤلفات المسعدي ط1 تونس 1978_ط5 1997
- مباحث في الادب التونسي المعاصر –دراسات نقدية في مؤلفات المسعدي والمدني والفارسي وخريف –تونس 1989_ط2 1998
- مدخل الى الادب المقارن وتطبيقه على الف ليلة وليلة _ط1 تو نس 1986 ط2بغداد 1988 ط3تونس 1997
- الهامشيون في المقامات العربية وقصص الشطار الاسبانية (اطروحة دكتوراه الدولة صدرت بالفرنسية 1982 عن منشورات الجامعة التونسية –بصدد التعريب )
- مائة ليلة ولية –دراسة وتحقيق –الدار العربية للكتاب 1979 ط2 دار الجمل المانيا 2004
- صلاة الغائب –تعريب رواية الطاهر بن جلون-تونس 1985
- من اعلام الرواية في تونس –مركز النشر الجامعي .تونس 2002
- اشكالية المنهج في النقد الادبي .دار المعارف سوسة 2000
- تاريخ الادب التونسي الحديث والمعاصر ( بالاشتراك ) بيت الحكمة قرطاج 1993
- نقد الرواية النسائية في تونس .مركز النشر الجامعي تونس 2003
- محمود المسعدي ـ الاعمال الكاملة ـ 4 مجلدات ، وتقديم بيلوغرافيا ـ وزارة الثقافة ودار الجنوب 2003
- نوافذ مجموعة قصصية 1977 ط7 1997
- دنيا –(رواية) تونس 1993 ط 2 -1997
"هذا الرجل ليس رساما. يداه أكثر رصانة من يدين تعيشان بعصبية الخلق"
أحلام مستغانمي، فوضى الحواس ص 176.
1- تشعبت المداخل المفهومية لمقاربة الأدب المقارن في ظل المباحث والدراسات التي تعنى برصد سؤال مفارق. فهل ثمة مرتكز للأدب المقارن؟ وما مفهومه؟ وما المسائل التي يطرحها؟ وهل ثمة أصول عربية لتناول هذا الطرح؟
هذا سؤال متشعبّ جدّا، هو مجموعة أسئلة لكنها تدور كلّها في فلك واحد هو الأدب المقارن، مفهومه إشكاليته، أصوله، حضوره في الثقافة العربية. وكلّ هذا ناتج عن حيرة إزاء مجال معرفي يتجدّد باستمرار ويتأقلم باستمرار رغم قلة المهتميّن به في دراساتنا العربية، ذلك لأنه يقتضي ثقافة واسعة متعدّدة الروافد لإدراك ما بينها من تقاطع أو قطيعة. والتقاطع اليوم متوفر بكثرة، فرضته سرعة وسائل الاتصال وجدواها في تقارب الآداب وتفاعلها وتأثير بعضها في البعض الآخر. وهذا بالذات مجال الأدب المقارن، فهو يستمدّ مفهومه وغايته وحتى مقاربته المنهجيّة من ذلك التقاطع بين الآداب الناتج عن تفاعلها فنّا ومادة ودلالة. ويبقى الإشكال في طُرُق رصد هذا التفاعل وتحليله وتفسير عوامله ودوافعه. فرواد الأدب المقارن في فرنسا كان اهتمامهم منصبّا على قنوات التأثير والعلاقات التاريخية ببين النصوص. وبمرور الزمن وكثرة الجدل في الموضوع تبيّن أنه اهتمام بخارج النصّ يرصد ما أخذه عن غيره لا غير، فلا يلتفت إلى خصوصيته وإضافاته وتميّزه. فكان لابدّ من ظهور من يدعو إلى الاهتمام بالنص نفسه ودراسته من الداخل وتحليل جوانبه الفنية وأبعاده المختلفة، عند ذلك فقط يلتفت إلى علاقته بغيره وأشباهه واختلافه عنها. والأدب المقارن في صورته هذه منهج حديث لا يمكن البحث له عن أصول عربية، ولا حتى غربية لأنّ عمره لا يتجاوز القرن الواحد بكثير. اهتم العرب بالعلوم اللغوية وبحثوا في ما تسرب إلى العربية من الفارسية واليونانية واللاتينية وغيرها لكنهم لم يهتمّوا بانصهار جملة من الثقافات، وبالخصوص الآداب، في بوتقة الأدب العربي عصرَ انفتح على آداب البلدان المفتوحة وشعوبها. فتدارك الأدب المقارن اليوم هذا النقص وتوصّل إلى نتائج هامّة.
بقيت إشكالية المقاصد. فالأدب المقارن كان في بداياته كلمة حقّ أريد بها باطل، كانت المقارنات تهدف إلى إبراز فضل ثقافة على أخرى عن طريق ما أخذته الثانية عن الأولى، أي إبراز فضل شعب على آخر وبالتالي تبرير احتلال بلد لآخر وهيمنة شعب على آخر. اليوم تغير المقصد – نسبيّا- وصارت الغاية معرفيّة عن طريق بيان التفاعل ومختلف مظاهره وخاصة التأثير المتبادل وليس في اتجاه واحد.
2- اختلفت المساهمات النقدية في تحديد العلاقات المقارنية بين الآداب العربية والأجنبية عبر جدلية التأثر والتأثير ومفهوم الرحلة داخل المواثيق النصية؟
وقد أشرت في كتابك "مدخل إلى الأدب المقارن وتطبيقه على ألف ليلة وليلة" في الفصل الأول " بوابة الآفاق ":" وهذا لا يعني أنه لم توجد ممارسات مقارنية منذ أقدم العصور الأدبية". فما هي هذه الممارسات وبماذا تُعنى داخل بحث الفضاء المقارنيّ؟
كانت ممارسات تلقائية ، ليست ناتجة عن وعي منهجي، أي أن أصحابها لم يكونوا يعرفون علما أو فنّا اسمه " الأدب المقارن "، له مفهومه ومجالاته وغاياته. لاحظوا تشابها بين أدبين فأشاروا إليه، مجرّد إشارة. ومنهم من شعر بضرورة التفتّح على الثقافات الأجنبية فدعا إليه بقوّة. ومن الطبيعي أن تسبق المادّة التنظير. فقول الشعر سابق لضبط بحوره وتفعيلاته. والكلام على السليقة سابق لتقنين النحو وضبط قواعده انطلاقا من ذلك الكلام بالذات. والطبيعة نفسها سابقة لعلوم الطبيعة. وإذا سلّمنا جدلا بأن تاريخ ولادة " الأدب المقارن " يعود إلى سنة 1828 في درس لفيلمان (Villemain)اقترح فيه هذا المصطلح فوقع تبنّيه وشاع في مختلف اللغات، فإن ما سبق هذا التاريخ يعتبر ممارسات مهّدت للتنظير له، مثل أعمال جماعة الثريّا وخاصة الناقد دورا ( Dora ) الذي اهتمّ بتأثير الأدبين اليوناني واللاتيني في أدب النهضة الأوروبية، وأعمال ما دام دي سكوديري ( Mme de Scudéry ) التي اهتمّت بتأثر مسرح كرناي بالأدب الأجنبي،وكذلك اهتمام فولتار بتأثر الأدب الفرنسي بالأدب الانكليزي، وكتاب مادلم دي ستال حول تأثر الأدب الفرنسي بالأدب الألماني، وغيرهم كثير.
3- أشار الدكتور حسام الخطيب في كتابه "آفاق الأدب المقارن عربيا وعالميا" إلى بيلوغرافيا حولية للأدب العربي المقارن سواء المؤلفات النظرية أو التطبقية. وقد أدرجك ضمن هذه القائمة.
لاحظت أنها كتابات قليلة، فما هي العوائق وهل يمكن الحديث عن أزمة الأدب المقارن؟
الدراسات والتنظيرات في هذا المجال محدودة في العربية لا محالة لكن لا يمكن الحديث عن أزمة الأدب المقارن في الثقافة العربية، لأنّ الأزمة عادة تأتي بعد طفرة وفترة ازدهار. وهذا لم يحدث. كل ما في الأمر أن الاهتمام بالأدب المقارن في الأدب العربي منذ نشأته الأولى محدود في دائرة ضيّقة من المختصين، لأنّه يقتضي ثقافة واسعة متعدّدة الروافد ومعرفة باللغات الأجنبية، ومواكبة مستمرة لما يصدر من كتب في حضارات مختلفة وأدوات إجرائية ثابتة. كلّ هذا يجعل من الأدب المقارن فنّا- أو علما- صعب المراس رغم ما ينتظر منه من لذّة الاكتشاف ومتعة تحليل الأشباه والنظائر والأضداد. وكانت بداياته في بلاد الشام ( سوريا ولبنان وفلسطين) محتشمة ومتأخرة جدا في الزمن إذ ظهر أول بحث في الموضوع سنة 1897 في لبنان بقلم نجيب حداد " مقابلة بين الشعر العربي والشعر الافرنجي" تلتها دراسة أخرى وحيدة بعد ثلاث سنوات لأحمد أفدي كامل بعنوان " بلاغة العرب والإفرنج"، ثم نجد في نفس السنة تقريبا ( 1903 – 1904 ) عملين هامين، الأول لسليمان البستاني في مقدمته المطوّلة لترجمته " الإلياذة" إلى العربية قارن فيها بين الملامح الإغريقية والشعر العربي القديم، والثانية للفلسطيني روحي الخالدي بعنوان " تاريخ علوم الأدب، عند الإفرنج والعرب، وفكتور هوقو". ثم تتالت الدراسات بنسق بطيء، ولم يظهر أول كتاب نظري في الأدب المقارن إلاّ سنة 1948 بمصر لعبد الرزاق حميدة بعنوان " الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق". وينبغي أن ننتظر أربع سنوات أخرى ليصدر كتاب محمد غنيمي هلال التأسيسي سنة 1952 بعنوان " الأدب المقارن ". ثم خفّ النّسق ( 1952 – 1967 – 1972- 1975 – 1979...) وممّا يبعث على الاطمئنان – نسبيا – على مستقبل الأدب المقارن في البلاد العربية أنّه صار يدرّس في مختلف الجامعات، إلاّ أننا لا نعرف مصير الرابطة العربية التي تأسست في مدينة عنّابة سنة 1984، ثم عقدت مؤتمرها الثاني بدمشق ثم توقفت عن النشاط فيما أعلم.
4- هل انزاحت شهرزاد في رجع صدى الكتابات المعاصرة عن الاستقرار وأضحت تروم الرحلة ونشدان السؤال؟
شهرزاد " ألف ليلة وليلة" ماتت بعد أن قامت بمهمتها على أحسن وجه ونجحت بفضل حكاياتها في ترويض شهريار وجعله يعرض عن قتل عذارى مملكته. توقفت عن الرواية بعد أن أنجبت له ولدين فتحوّلت إلى أمّ وبقيت في قصر شهريار.
لكنها بعد أن أغلق الكتاب نهائيا في القرن السادس عشر تناسلت منها ألف شهرزاد فكانت لها ولادة جديدة في مؤلفات أخرى تنتمي إلى مختلف الفنون ومختلف اللغات واكتسبت كونيتها وتحوّلت إلى رمز وظفه الفنانون توظيفات لا تحصى ولا تعدّ. فظهرت في القصة والرواية والشعر والمسرح والرسم والسينما والنحت.. في الانكليزية والألمانية والإيطالية والاسبانية والفرنسية، خاصة الفرنسية. فقد وجدت فيها شهرزاد أرضا خصبة فنمت فيها وانتشرت. ربما بدأت رحلتها بالترجمة، لكنها ترجمة غير وفية للأصل إذ فتّقت المواهب والخيالات فأضيفت إلى أقوالها أقوال وإلى أعمالها أعمال، تتنكّر وتتحوّل، وتروي وتغامر، وتحمل آلاف الدلالات والرسائل، وهي في كلّ مرّة تظهر في حلّة قشيبة متجدّدة. لذلك تيسّر اندساسها في مختلف الفنون واللغات، فهي تتأقلم وتتطوّر باستمرار. وقد وجدتها في كتابي " مائة ليلة وليلة " فارتحلت انطلاقا منه عبر الترجمة إلى الروسية إلى طشقند، والبرتغالية إلى البرازيل،وقريبا ترتحل عبر اليابانية إلى طوكيو. وشاهدناها في السينما الأمريكية فأنكرناها لما لحقها من تشويه مقصود، و في السينما الإيطالية فأحببناها لما فيها من نوازع إنسانية، وفي السينما الفرنسية فكرهنا ما طرأ عليها من تركيب ومزج وخلط. وقلنا: ردّوا علينا شهرزادنا فهي خير وأبقى من هذه الصورة المحرفة. لكننا وجدناها أيضا ملهمة لموسيقى كلاسيكية خالدة لريمسكي كورساكوف فقلنا: مرحى، والتقينا بها في مسرح توفيق الحكيم وجول سوبرفيال( Jules Supervielle ) فقلنا هكذا يكون التوظيف السليم...
5- كيف يمكن للناقد أن يتجرد من معاوله النقدية وأن ينحو نحو كتابة الرواية والمجموعات القصصية و قد كتبت روايات " التمثال "و " المعجزة " و " دنيا " إلى جانب مجموعة قصصية " نوافذ ".
ألا ترى أن الحضور النقدي يبقى ملازما إذ جل من حاول خوض مسالك كتابية جديدة إلاّ وارتسمت أمامه الحساسية النقدية فتجعله مكبلا نقديا لا يسعى إلى المكاشفة الإبداعية فتنعدم حرقة الإبداع في فضاء الكتابة؟
مثل هذه الأسئلة وتكرارها هو الذي يرسّخ بعض الأوهام بخصوص ازدواجية الناقد والكاتب، ويخلق أفكارا مسبقة تشوش عملية القراءة، فكأن الكاتب لا يحقّ له أن يكتب الرواية أو الشعر إلاّ إذا تجرّد من ملكته النقدية وتوقّف عن كلّ نشاط نقدي أو علمي. وقد سئمت التوضيح والتفسير ومحاولة إقناع القارئ الذي لا يقرأ بأنّ النقد لا يدخل الضيم على الإبداع بل بالعكس تماما يغنيه ويجنّبه أخطاء فنّية قاتلة يقع فيها من لم يتمرّس بآليات النقد والتحليل. وقد قلت مرارا إنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ولكن يصرّ البعض على التشكيك والتجريح ليجدوا مبرّرات تريح ضميرهم وتبرّر لهم الإعراض عن القراءة. فجل الأحكام ناتجة عن أفكار مسبقة من هذا القبيل، ولا نجد عند أيّ منهم أمثلة محسوسة تدلّ على اطلاعهم يثبتون بها جناية الناقد على المبدع. وما فتئنا نكرّر أن المبدع وقت الإبداع يتجرّد تماما من روحه النقدية وأدوات النقد والتحليل فيكون عمله إبداعيا صرفا خاليا من كلّ ما يدخل الضيم على فنّه وخياله. وهذه معاناة لا يحسها من اقتصر على الكتابة الإبداعية وأصرّ على جهل كلّ ما يحفّ بها من أدوات الصنّاعة. وقد ينجح الموهوبون القلائل من المبدعين الجاهلين بأسرار الكتابة لكن الغالب هو الضحالة والفقر الفكري والقصور الفنّي. ونظرة عجلى إلى ما نجح من محاولات الذين يعلمون و الذين لا يعلمون كافية لاستنتاج ما ينبغي استنتاجه من فضل معرفة النقد على الإبداع وجناية الأمّية الثقافية عليه. والجهل بقواعد اللغة وأساليب الكتابة يفضي إلى التجني على اللغة والكتابة معا ثم تأتي التبريرات من صنف " اللغة كائن حيّ يتطور باستمرار"، وهي طريقة ذكيّة للاعتذار ولتبرير عشرات الخطاء، وبعضهم يفسّر الإخلال بالفنّ بضرورة التجديد والتمرّد على المألوف والتقليدي وضرورة التجريب والتخريب والتقويض. وهذه كلمات حقّ أريد بها باطل. فلابدّ من التجديد والتجريب والتحديث لكن في حدود الفنّ وما يحدثه من متعة وليس في نطاق الهدم من أجل الهدم دون بديل مقنع ودون بناء صروح جديدة، بل نجد في كثير من الأحيان نصوصا منفّرة لا تشجّع على الانتهاء من قراءتها لأنها ليست ناتجة عن تصوّر تجديدي واضح المعالم والغايات. فلنكفّ إذن عن طرح مثل هذه الأسئلة التي يريد البعض أن يقصوا بها أهمّ المبدعين وأكثرهم وعيا بأسرار الكتابة.
6- هل تعتقد أن المدارس النقدية سواء البنيوية أو الشكلانية، أو التفكيكية أو الوجودية أو التأويلية،....، قد أسهمت في مزيد جعل النص منفتحا في صيرورته الإنتاجية أم أن هذا الاختلاف الحاد أحيانا في الرؤية النقدية سعى إلى خرق هذه القواعد وولّد التمثل التجريبي الذي أضحى يسلك مساره بعيدا عن الرؤى النقدية؟
المناهج النقدية المختلفة ليست غايتها نفعية أي أنها لا تهدف إلى تلقين المبدع أسلوبا مخصوصا في الكتابة. وهي ليست سابقة للإبداع ولا تملي عليه قواعد ولا شروطا بل غايتها معرفية صرف، إنها تتناول المؤلفات الإبداعية بالدرس والوصف والتحليل والتصنيف بعد صدورها. لذلك فإنّ تعدّد الرؤى النقدية واختلافها لا يهمان مباشرة المبدع، فهي تكاد تكون في واد والكاتب في واد آخر. فمن الطبيعي إذن أن يكون لكلّ منهما تمثّله الخاص، أي أن يكون للباحث منهجه وللكاتب تجريبه وأسلوبه، ثم يلتقيان على صعيد الوصف والتحليل. وهناك العديد من المناهج النقدية التي يمتنع أصحابها من التقييم والتقويم فلا ينتصبون قضاة يحكمون على هذا بالفشل وعلى ذلك بالنجاح. فمهمّة التقييم والتقويم هي من مشمولات الناقد الأدبي الذي يستعين بأدوات أخرى ويعوّل على ذوقه لتقدير الأعمال والحكم لها أو عليها. وهذه القضية شائكة جدّا، قضيّة التمييز بين البحث العلمي الذي يوظف أحد المناهج المتجدّدة باستمرار والنقد الأدبي الذي ينظر في النصوص نظرة أدبية. الأوّل وصفي مجرّد محايد والثاني يقيّم ويغربل ويحكم – لكن كثيرا ما يقع الخلط والالتباس بين النشاطين والغايتين والأسلوبين فيتداخل الوصف والتقييم ويتيه الكاتب في منعطفات تعدّد المناهج والرؤى، فيشق طريقه بنفسه. وحسنا يفعل لأن البحث العلمي في الأدب غايته بالذات معرفة تلك الطريق وخصوصياتها. لا غير. ولهذا من الطبيعي أن تتعدّد الرؤى النقدية ومناهج البحث إلى ما لا نهاية له، وأن تتعدّد التجارب الإبداعية إلى ما نهاية له أيضا في طريقين متوازيين متماسّين متقاطعين، وهذا من شأنه أن يفيد الإبداع والمنهج في الآن نفسه.
7- كيف تقيم الواقع الروائي والنقدي في تونس؟ هل هو حقل خصيب أم أنه يسعى إلى نحت خصوصية ذاتية؟
للواقع الروائي والواقع النقدي مشهدان متفاوتان والجسور بينهما ليست ثابتة في جميع الأحوال. فالرواية في تونس بعد مرحلة طويلة من النشأة البطيئة دامت ما يقارب الثلاثين سنة ( 1955 – 1985 ) تحولت فجأة إلى مرحلة الطفرة وبقيت تتكاثر عددا وتتطوّر شكلا وتتنوّع موضوعا إلى أن بلغت في السنوات الأخيرة نسقا متسارعا فتجاوزت الخمسة وعشرين نصّا في السنة وفي اللغة العربية وحدها، وما يقارب نصف هذا العدد بالفرنسية. وهذا الكم يعتبر بالنسبة إلى قطر لا يتجاوز عدد سكّانه العشرة ملايين نسمة كمّ معقول إلاّ أن اختلاف الأشكال والمواضيع والمقاصد يخفي تفاوتا واضحا في مستوى الكتابة الروائية وتوجّهاتها. فإنك تجد المفرط في التقليد كما تجد المفرط في التجريب. وهذا في حدّ ذاته لا يمثل عائقا أو قضيّة أدبية لأنّ كل تيّار له قرّاؤه وأنصاره، فلا بدّ أن يقرأ للتلقي ألف حساب ولابدّ من تجنّب تعميم ذوق فئة واحدة على الجميع. لكن الإشكال يكمن في مضمون التقليد ومضمون التجريب معا، فالإقناع لا يأتي من التيار الأدبي بقدر ما يأتي من أصالة الأثر الأدبي نفسه، فقد نجد الجودة والرداءة في الرواية التقليدية كما نجدهما في الرواية التجريبية. فالمهمّ ليس التيار بل ما نكتبه في إطار هذا التيار أو ذاك.
وقد واكب النقد الأدبي هذا الإنتاج الروائي بصنفيه فأقرّ نصوصا ورفض أخرى ودعا إلى التجويد والتحكيك لكنّ الروائيين مثل سائر الفنّانين لا يقبلون دوما بصدر رحب ما يوجّه إلى كتاباتهم من نقد إلاّ إذا كان إطراء وتمجيدا، ولهذا السبب يعرض بعض النقاد عن الاهتمام بالروايات المنشورة ويتركون للقراء وللزمن مهمّة انتقاء الجيّد من النصوص والسكوت عما سواها.
ثم إن النقد يواجه تراكمات مختلفة الأجناس الأدبية فيتوزع بين القصة والرواية والشعر والمسرحية، فمن الطبيعي أن يعجز عن مواكبة كلّ ما يصدر في نطاق الأجناس الأربعة، فضلا عن الكتب الفكرية والنقدية نفسها. ولو كان جميع الكتاب يقبلون ما يوجّه إليهم من ملاحظات إيجابية وسلبية لأقبل النقاد على دراسة نصوصهم أكثر ممّا يفعلون الآن. ومن النقاد من لا يهتمّ بردود فعل الكاتب فيواصل عمله بكل تجرّد وموضوعية، لكن منهم من يتأثر لتأثر الكاتب بنقده فيكسّر قلمه ويتركه لشأنه وللقراء وللزمن. ونجد كذلك من الكتاب من يكسّر قلمه أيضا ويمزق أوراقه ويتحول إلى نشاط آخر أو يتوقف عن النشاط تماما لمجرّد قراءته نقدا موضوعيّا ينبّهه إلى بعض المزالق. إذا كان " نحت الخصوصية " كما جاء في السؤال لا يحتاج إلى نقد فلننتظره ثم نحكم على النتائج.
8- في كتابك " نقد الرواية النسائية في تونس" ذكرت للاستدلال على وجود خصوصية في الرواية النسائية مواضيع تركز عليها الكاتبات مثل التعبير عن الرغبات المكبوتة وسبر أغوار الأنا وجعل الذات نقطة المركز في دائرة الاهتمام.
فهل تسعى الكتابة الأنثوية من فوضاها إلى نحت مبناها أم لا يزال الطرح الأنثوي رهين هذه القضايا وحتى و إن تناولت القضايا الاجتماعية فهي من منظور شخصي أنثوي ذاتي حسي ضيق أم هل المرأة اليوم في كتاباتها تحسست ملامح الاختلاف وأضحت تكتب بأكثر نضج فني؟
هذه المواضيع التي ذكرتها هي ما يحتجّ به من يرى خصوصية في الرواية النسائية، وهذا رأي لا أتبناه بل أرى عكسه تماما. وقد عبّرت عنه بكل وضوح في قولي ردّا على تساؤلي:" هل توجد رواية نسائية؟":" لقد دكت الحدود في مجال الرواية بين مختلف الأجناس الأدبية، فتسلّل إليها الشعر والأسطورة ونصوص تراثية كما دكت الحدود بين الواقعي والمتخيل و بين الحلم و اليقظة وبين الماضي والحاضر. فكيف يمكن والرواية على هذه الحال من الانفتاح تصوّر حدود بين رواية تكتبها المرأة ورواية يكتبها الرجل. والبحث عن خصوصية مزيّفة يحدّ من حرية الإبداع. وإذا أقررنا بوجود خصوصية في الرواية النسائية فلا بدّ من الإقرار بوجود رواية رجالية أيضا" ( ص 16 ) ثم أضفت:" والواقع أن لا شيء يجمع بين الروايات التي تكتبها النساء، شأنها في ذلك شأن الروايات التي يكتبها الرجال لا من حيث المواضيع ولا من حيث الأشكال [ ... ] لذا نرى أنه من الأجدى أن تتحوّل إرادة التميّز إلى إرادة الامتياز" ( ص 16 ).
إذن فالنضج الفني الذي تتحدث عنه ليس رهين اختلاف الجنس بل تحكمه عوامل أخرى تنطبق على الجنسين معا مثل الوعي بقضايا العصر – وهو لا ينفي قضايا الذات – والملكة اللغوية والشعرية والتحكّم في مقوّمات الفنّ لتوظيفها التوظيف الصحيح، والتسلّح بثقافة متعدّدة الروافد للاستفادة من تجارب الغير، والرغبة في التجاوز والابتكار، وهاجس التجويد، وغير ذلك. وتجد الذات والأنوثة والتميّز مكانها داخل هذا الإطار وليس في إطار ضيّق مثل اختلاف الأجناس.
9- ما هي رؤية محمود طرشونة للأدب العربي اليوم سواء النقدي أو الإبداعي؟ هل بدأ يضيق أم ينفتح؟ هل هو عقيم أم خصب، حداثي أم حداثوي، تجريبي أم محاكاتي، وهل ثمة ملامح الاستقلالية داخل المتون النصية عن المسار الغربي؟ وما هي عوائقه وكيف ترى السبيل إلى نجاحاته المقبلة؟
هذا السؤال عامّ جدّا لأنه يتعلّق بالأدب العربي ككلّ، إبداعا ونقدا، شعر ونثرا... وليس في مقدور أيّ كان أن يدّعي أنه مطّلع على كلّ ما صدر في كامل البلاد العربية وفي مختلف الأجناس الأدبية. إذن أيّ حكم لا يكون إلاّ نسبيا، مبنيا على ما وقع الاطلاع عليه من الإنتاج الأدبي. وما يطّلع عليه أي فرد في أي قطر لا يمثل إلاّ نسبة ضئيلة من الكمّ الحقيقي خاصة أن توزيع الكتب في البلدان العربية لا يسمح بمعرفة كل ما ينشر هنا وهناك. إلاّ أنه يمكن الحديث عن انطباع، مجرّد انطباع قابل للتغيير في كلّ حين أي كلما تقدّمنا في معرفة بعضنا البعض. ثم إنّ سؤالا كهذا ينطوي على كثير من التعميم ولا يترك مجالا للتفاصيل والخصوصيات ( ضيق / انفتاح – عقم / خصوبة – حداثة / حداثوية – تجريب / محاكاة- استقلالية / تبعية) وهذه نعوت لا يمكن أن تطلق حتى على الكاتب الواحد فما بالك بالقطر الواحد أو الأقطار الثلاثة والعشرين.
والواقع أن كلّ هذه الصفات متواجدة في الأدب العربي المعاصر طبعا بنسب متفاوتة لأنك تجد فيه المغرق في التقليد والمبحر في التجديد والتجريب كما تجد فيه خصوصية تكاد تضيق إلى أن تتحوّل إلى فولكلور كما تجد فيه ملامح عالمية تكاد تذوب فيها كلّ ملامح التأصيل. ولكنّ الغالب على الأدب العربي المعاصر هو التطلّع إلى كلّ ما هو حديث، مجرّد تطلّع، يخطئ ويصيب حسب الأفراد والتجارب وحسب الأقطار وما تسمح به بعض الأنظمة من حرية التفكير وحريّة الإبداع. وكان في الإمكان أن يفوز بجائزة نوبل مثلا أكثر من كاتب عربي واحد لكن المقياس السياسي لإسنادها يتصدّر مقاييس التقييم وإنّي أرى أنّ كثرة انتشار الأمية في العديد من البلدان العربية أكبر عائق يعطّل تطوّر الأدب العربي. فأدب تقرؤه نخبة محدودة العدد لا يمكن أن يجنّح عاليا. ويومَ يصبح الكتاب كالماء والهواء ضروريّا لحياة الفرد وتوازنه عند ذلك يمكن أن نحلم بأدب عالمي، ويصبح مشكل الأصالة والتفتح، والتقليد والحداثة وغيرهما من المشاكل الراهنة أمورا ثانوية جدا.
10- قلت في كتابك الأخير " ألسنة السرد " الصادر هذه السنة عن الدار العربية للكتاب:" نعم للنص ألسنة، وللسرد ألسنة بل النص ناطق بألف لسان".
كيف ذلك وما هي الضرورات والمحفزات التي جعلتك تُعِدّ هذا الكتاب وما هو هذا الطرح الجديد وكيف تنظر إليه أنت داخل المباحث الروائية والنقدية؟
لا أدري هل هو طرح جديد أم متجدّد، فهو يندرج في نطاق منهج نقدي ما فتئت أدعو إليه منذ السبعينات، منذ أدركت أن النصّ الأدبي القويّ نظلمه إذا نظرنا إليه من زاوية واحدة وهو المتعدّد الأبعاد والدّلالات، الناطق بألسنة كثيرة لكن المناهج الأحادية تحصره في منطلقات كل منها، فينظر إليه من زاوية الشكل فقط، أو الأسلوب فقط أو الجانب النفسي وحده أو الاجتماعي لا غير وتهمل الجوانب الأخرى. فرأيت ضرورة الرؤية التكاملية فنظّرت لها وطبّقتها في عديد الكتب والدراسات. إذن فكتابي الجديد " ألسنة السرد " امتداد لسلسلة التحاليل النقدية السابقة وتكريس للتعدّدية المنهجية. وليس من المفيد أن أعود من جديد للتذكير بمقوّماتها لكن أحيل القارئ إلى كتاب آخر لي بعنوان " إشكالية المنهج " ضبطت في الفصل الأوّل منه مقوّمات هذا المنهج التكاملي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire