dimanche 18 mai 2008

حوار مع الناقد سعيد يقطين

مقال حول منارات العشق عند طاغور

ندوة سرديات الكتابة العربية

تحقيق حول بيت الشعر في تونس

حوار مع الكاتب والشاعر جمال الجلاصي

الندوة الدولية بحلب حول رائد الفكر الإنساني جلال الدين الرومي

حوار مع رئيس اتحاد كتاب المغرب الناقد عبد الحميد عقار

حوار مع الدكتور خالد الغريبي

حوار مع الكاتبة والشاعرة فاطمة الشريف

حوار مع الكاتب ظافر ناجي

حوار مع رئيس اتحاد الكتاب التونسيين صلاح الدين بو جاه

ندوة الأيام الشعرية محمد البقلوطي

متابعة ندوة أدب المقاومة في المغرب العربي الكبير

حوار مع القاصة والروائية والشاعرة هالة فهمي

mardi 11 mars 2008

أسئلة النقد والأدب والثقافة


حاوره : محمد الماجري

أحيانا اسأل نفسي هل أنا اكتب الأسئلة ام هل أن الأسئلة تكتبني، فيجيب المداد على الورق: أكتب وداعب أوتار حبري علّك تنقش في ذاكرتي أحرف الذاكرات فألد الحرف بعد مخاض وأكتب رسم يد رودان في شتى تشكلاتها، وأرسل إليك حنين النقد وحنين الكتابة من رجع تاريخي ومتون مستقبلي.

ضمن هذا الإطار نحاور الروائي والناقد الدكتور محمود طرشونة، علّه إنسانا يكون من أبحر الحروف وكتب مرصوفة جادة من المكتبة العربية.

الناقد محمود طرشونة

أسئلة الأدب والنقد والثقافة

ناقد وروائي واستاد التعليم العالي بالجامعة التونسية (مند 1971)
- درس بدار المعلمين العليا بتونس (1963_1966)و بجامعة الصوربون بباريس (تحصل على دكتوراه الدولة في الادب المقارن 1980)
- يشرف على عديد اطروحات دكتوراه الدولة ورسائل الماجستار
- مدير عام للدراسات والبحوث بمؤسسة بيت الحكمة (1987-1992)
- عضو لجنة تحكيم جائزة الملك فيصل.
- عضو المجلس العلمي بكلية الاداب بتونس والمكتب التنفيذي لنقابة التعليم العالي والبحث العلمي والهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين
- شارك في مؤتمرات الادباء العرب بكل من عمان وصنعاء وعدن وبغداد وتونس . - القى محاضرات في معهد الدراسات العربية (منظمة الالكسو) وفي جامعة طشقند بيوزبكستان وجامعة القاهرة (مائوية طه حسين ومؤتمر الادب المقارن)وعين شمس (مؤتمر النقد الادبي ) وفي مؤتمر الرواية العربية (المجلس الاعلى للثقافة بمصر ) وفي جامعات تونس والجزائر وطرابلس والمغرب والبحرين واليرموك وغرناطة وصقلية وباريس وتولوز واكس ولندن ومدريد مع زيارة الصين وروسيا وامريكا.
- تحصل على الجائزة التقديرية للاداب والعلوم الانسانية (1998)

المؤلفات

كتب نقدية

  1. الادب المريد في مؤلفات المسعدي ط1 تونس 1978_ط5 1997
  2. مباحث في الادب التونسي المعاصر –دراسات نقدية في مؤلفات المسعدي والمدني والفارسي وخريف –تونس 1989_ط2 1998
  3. مدخل الى الادب المقارن وتطبيقه على الف ليلة وليلة _ط1 تو نس 1986 ط2بغداد 1988 ط3تونس 1997
  4. الهامشيون في المقامات العربية وقصص الشطار الاسبانية (اطروحة دكتوراه الدولة صدرت بالفرنسية 1982 عن منشورات الجامعة التونسية –بصدد التعريب )
  5. مائة ليلة ولية –دراسة وتحقيق –الدار العربية للكتاب 1979 ط2 دار الجمل المانيا 2004
  6. صلاة الغائب –تعريب رواية الطاهر بن جلون-تونس 1985
  7. من اعلام الرواية في تونس –مركز النشر الجامعي .تونس 2002
  8. اشكالية المنهج في النقد الادبي .دار المعارف سوسة 2000
  9. تاريخ الادب التونسي الحديث والمعاصر ( بالاشتراك ) بيت الحكمة قرطاج 1993
  10. نقد الرواية النسائية في تونس .مركز النشر الجامعي تونس 2003
  11. محمود المسعدي ـ الاعمال الكاملة ـ 4 مجلدات ، وتقديم بيلوغرافيا ـ وزارة الثقافة ودار الجنوب 2003
  12. نوافذ مجموعة قصصية 1977 ط7 1997
  13. دنيا –(رواية) تونس 1993 ط 2 -1997

"هذا الرجل ليس رساما. يداه أكثر رصانة من يدين تعيشان بعصبية الخلق"

أحلام مستغانمي، فوضى الحواس ص 176.

1- تشعبت المداخل المفهومية لمقاربة الأدب المقارن في ظل المباحث والدراسات التي تعنى برصد سؤال مفارق. فهل ثمة مرتكز للأدب المقارن؟ وما مفهومه؟ وما المسائل التي يطرحها؟ وهل ثمة أصول عربية لتناول هذا الطرح؟

هذا سؤال متشعبّ جدّا، هو مجموعة أسئلة لكنها تدور كلّها في فلك واحد هو الأدب المقارن، مفهومه إشكاليته، أصوله، حضوره في الثقافة العربية. وكلّ هذا ناتج عن حيرة إزاء مجال معرفي يتجدّد باستمرار ويتأقلم باستمرار رغم قلة المهتميّن به في دراساتنا العربية، ذلك لأنه يقتضي ثقافة واسعة متعدّدة الروافد لإدراك ما بينها من تقاطع أو قطيعة. والتقاطع اليوم متوفر بكثرة، فرضته سرعة وسائل الاتصال وجدواها في تقارب الآداب وتفاعلها وتأثير بعضها في البعض الآخر. وهذا بالذات مجال الأدب المقارن، فهو يستمدّ مفهومه وغايته وحتى مقاربته المنهجيّة من ذلك التقاطع بين الآداب الناتج عن تفاعلها فنّا ومادة ودلالة. ويبقى الإشكال في طُرُق رصد هذا التفاعل وتحليله وتفسير عوامله ودوافعه. فرواد الأدب المقارن في فرنسا كان اهتمامهم منصبّا على قنوات التأثير والعلاقات التاريخية ببين النصوص. وبمرور الزمن وكثرة الجدل في الموضوع تبيّن أنه اهتمام بخارج النصّ يرصد ما أخذه عن غيره لا غير، فلا يلتفت إلى خصوصيته وإضافاته وتميّزه. فكان لابدّ من ظهور من يدعو إلى الاهتمام بالنص نفسه ودراسته من الداخل وتحليل جوانبه الفنية وأبعاده المختلفة، عند ذلك فقط يلتفت إلى علاقته بغيره وأشباهه واختلافه عنها. والأدب المقارن في صورته هذه منهج حديث لا يمكن البحث له عن أصول عربية، ولا حتى غربية لأنّ عمره لا يتجاوز القرن الواحد بكثير. اهتم العرب بالعلوم اللغوية وبحثوا في ما تسرب إلى العربية من الفارسية واليونانية واللاتينية وغيرها لكنهم لم يهتمّوا بانصهار جملة من الثقافات، وبالخصوص الآداب، في بوتقة الأدب العربي عصرَ انفتح على آداب البلدان المفتوحة وشعوبها. فتدارك الأدب المقارن اليوم هذا النقص وتوصّل إلى نتائج هامّة.

بقيت إشكالية المقاصد. فالأدب المقارن كان في بداياته كلمة حقّ أريد بها باطل، كانت المقارنات تهدف إلى إبراز فضل ثقافة على أخرى عن طريق ما أخذته الثانية عن الأولى، أي إبراز فضل شعب على آخر وبالتالي تبرير احتلال بلد لآخر وهيمنة شعب على آخر. اليوم تغير المقصد – نسبيّا- وصارت الغاية معرفيّة عن طريق بيان التفاعل ومختلف مظاهره وخاصة التأثير المتبادل وليس في اتجاه واحد.

2- اختلفت المساهمات النقدية في تحديد العلاقات المقارنية بين الآداب العربية والأجنبية عبر جدلية التأثر والتأثير ومفهوم الرحلة داخل المواثيق النصية؟

وقد أشرت في كتابك "مدخل إلى الأدب المقارن وتطبيقه على ألف ليلة وليلة" في الفصل الأول " بوابة الآفاق ":" وهذا لا يعني أنه لم توجد ممارسات مقارنية منذ أقدم العصور الأدبية". فما هي هذه الممارسات وبماذا تُعنى داخل بحث الفضاء المقارنيّ؟

كانت ممارسات تلقائية ، ليست ناتجة عن وعي منهجي، أي أن أصحابها لم يكونوا يعرفون علما أو فنّا اسمه " الأدب المقارن "، له مفهومه ومجالاته وغاياته. لاحظوا تشابها بين أدبين فأشاروا إليه، مجرّد إشارة. ومنهم من شعر بضرورة التفتّح على الثقافات الأجنبية فدعا إليه بقوّة. ومن الطبيعي أن تسبق المادّة التنظير. فقول الشعر سابق لضبط بحوره وتفعيلاته. والكلام على السليقة سابق لتقنين النحو وضبط قواعده انطلاقا من ذلك الكلام بالذات. والطبيعة نفسها سابقة لعلوم الطبيعة. وإذا سلّمنا جدلا بأن تاريخ ولادة " الأدب المقارن " يعود إلى سنة 1828 في درس لفيلمان (Villemain)اقترح فيه هذا المصطلح فوقع تبنّيه وشاع في مختلف اللغات، فإن ما سبق هذا التاريخ يعتبر ممارسات مهّدت للتنظير له، مثل أعمال جماعة الثريّا وخاصة الناقد دورا ( Dora ) الذي اهتمّ بتأثير الأدبين اليوناني واللاتيني في أدب النهضة الأوروبية، وأعمال ما دام دي سكوديري ( Mme de Scudéry ) التي اهتمّت بتأثر مسرح كرناي بالأدب الأجنبي،وكذلك اهتمام فولتار بتأثر الأدب الفرنسي بالأدب الانكليزي، وكتاب مادلم دي ستال حول تأثر الأدب الفرنسي بالأدب الألماني، وغيرهم كثير.

3- أشار الدكتور حسام الخطيب في كتابه "آفاق الأدب المقارن عربيا وعالميا" إلى بيلوغرافيا حولية للأدب العربي المقارن سواء المؤلفات النظرية أو التطبقية. وقد أدرجك ضمن هذه القائمة.

لاحظت أنها كتابات قليلة، فما هي العوائق وهل يمكن الحديث عن أزمة الأدب المقارن؟

الدراسات والتنظيرات في هذا المجال محدودة في العربية لا محالة لكن لا يمكن الحديث عن أزمة الأدب المقارن في الثقافة العربية، لأنّ الأزمة عادة تأتي بعد طفرة وفترة ازدهار. وهذا لم يحدث. كل ما في الأمر أن الاهتمام بالأدب المقارن في الأدب العربي منذ نشأته الأولى محدود في دائرة ضيّقة من المختصين، لأنّه يقتضي ثقافة واسعة متعدّدة الروافد ومعرفة باللغات الأجنبية، ومواكبة مستمرة لما يصدر من كتب في حضارات مختلفة وأدوات إجرائية ثابتة. كلّ هذا يجعل من الأدب المقارن فنّا- أو علما- صعب المراس رغم ما ينتظر منه من لذّة الاكتشاف ومتعة تحليل الأشباه والنظائر والأضداد. وكانت بداياته في بلاد الشام ( سوريا ولبنان وفلسطين) محتشمة ومتأخرة جدا في الزمن إذ ظهر أول بحث في الموضوع سنة 1897 في لبنان بقلم نجيب حداد " مقابلة بين الشعر العربي والشعر الافرنجي" تلتها دراسة أخرى وحيدة بعد ثلاث سنوات لأحمد أفدي كامل بعنوان " بلاغة العرب والإفرنج"، ثم نجد في نفس السنة تقريبا ( 1903 – 1904 ) عملين هامين، الأول لسليمان البستاني في مقدمته المطوّلة لترجمته " الإلياذة" إلى العربية قارن فيها بين الملامح الإغريقية والشعر العربي القديم، والثانية للفلسطيني روحي الخالدي بعنوان " تاريخ علوم الأدب، عند الإفرنج والعرب، وفكتور هوقو". ثم تتالت الدراسات بنسق بطيء، ولم يظهر أول كتاب نظري في الأدب المقارن إلاّ سنة 1948 بمصر لعبد الرزاق حميدة بعنوان " الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق". وينبغي أن ننتظر أربع سنوات أخرى ليصدر كتاب محمد غنيمي هلال التأسيسي سنة 1952 بعنوان " الأدب المقارن ". ثم خفّ النّسق ( 1952 – 1967 – 1972- 1975 – 1979...) وممّا يبعث على الاطمئنان – نسبيا – على مستقبل الأدب المقارن في البلاد العربية أنّه صار يدرّس في مختلف الجامعات، إلاّ أننا لا نعرف مصير الرابطة العربية التي تأسست في مدينة عنّابة سنة 1984، ثم عقدت مؤتمرها الثاني بدمشق ثم توقفت عن النشاط فيما أعلم.

4- هل انزاحت شهرزاد في رجع صدى الكتابات المعاصرة عن الاستقرار وأضحت تروم الرحلة ونشدان السؤال؟

شهرزاد " ألف ليلة وليلة" ماتت بعد أن قامت بمهمتها على أحسن وجه ونجحت بفضل حكاياتها في ترويض شهريار وجعله يعرض عن قتل عذارى مملكته. توقفت عن الرواية بعد أن أنجبت له ولدين فتحوّلت إلى أمّ وبقيت في قصر شهريار.

لكنها بعد أن أغلق الكتاب نهائيا في القرن السادس عشر تناسلت منها ألف شهرزاد فكانت لها ولادة جديدة في مؤلفات أخرى تنتمي إلى مختلف الفنون ومختلف اللغات واكتسبت كونيتها وتحوّلت إلى رمز وظفه الفنانون توظيفات لا تحصى ولا تعدّ. فظهرت في القصة والرواية والشعر والمسرح والرسم والسينما والنحت.. في الانكليزية والألمانية والإيطالية والاسبانية والفرنسية، خاصة الفرنسية. فقد وجدت فيها شهرزاد أرضا خصبة فنمت فيها وانتشرت. ربما بدأت رحلتها بالترجمة، لكنها ترجمة غير وفية للأصل إذ فتّقت المواهب والخيالات فأضيفت إلى أقوالها أقوال وإلى أعمالها أعمال، تتنكّر وتتحوّل، وتروي وتغامر، وتحمل آلاف الدلالات والرسائل، وهي في كلّ مرّة تظهر في حلّة قشيبة متجدّدة. لذلك تيسّر اندساسها في مختلف الفنون واللغات، فهي تتأقلم وتتطوّر باستمرار. وقد وجدتها في كتابي " مائة ليلة وليلة " فارتحلت انطلاقا منه عبر الترجمة إلى الروسية إلى طشقند، والبرتغالية إلى البرازيل،وقريبا ترتحل عبر اليابانية إلى طوكيو. وشاهدناها في السينما الأمريكية فأنكرناها لما لحقها من تشويه مقصود، و في السينما الإيطالية فأحببناها لما فيها من نوازع إنسانية، وفي السينما الفرنسية فكرهنا ما طرأ عليها من تركيب ومزج وخلط. وقلنا: ردّوا علينا شهرزادنا فهي خير وأبقى من هذه الصورة المحرفة. لكننا وجدناها أيضا ملهمة لموسيقى كلاسيكية خالدة لريمسكي كورساكوف فقلنا: مرحى، والتقينا بها في مسرح توفيق الحكيم وجول سوبرفيال( Jules Supervielle ) فقلنا هكذا يكون التوظيف السليم...

5- كيف يمكن للناقد أن يتجرد من معاوله النقدية وأن ينحو نحو كتابة الرواية والمجموعات القصصية و قد كتبت روايات " التمثال "و " المعجزة " و " دنيا " إلى جانب مجموعة قصصية " نوافذ ".

ألا ترى أن الحضور النقدي يبقى ملازما إذ جل من حاول خوض مسالك كتابية جديدة إلاّ وارتسمت أمامه الحساسية النقدية فتجعله مكبلا نقديا لا يسعى إلى المكاشفة الإبداعية فتنعدم حرقة الإبداع في فضاء الكتابة؟

مثل هذه الأسئلة وتكرارها هو الذي يرسّخ بعض الأوهام بخصوص ازدواجية الناقد والكاتب، ويخلق أفكارا مسبقة تشوش عملية القراءة، فكأن الكاتب لا يحقّ له أن يكتب الرواية أو الشعر إلاّ إذا تجرّد من ملكته النقدية وتوقّف عن كلّ نشاط نقدي أو علمي. وقد سئمت التوضيح والتفسير ومحاولة إقناع القارئ الذي لا يقرأ بأنّ النقد لا يدخل الضيم على الإبداع بل بالعكس تماما يغنيه ويجنّبه أخطاء فنّية قاتلة يقع فيها من لم يتمرّس بآليات النقد والتحليل. وقد قلت مرارا إنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ولكن يصرّ البعض على التشكيك والتجريح ليجدوا مبرّرات تريح ضميرهم وتبرّر لهم الإعراض عن القراءة. فجل الأحكام ناتجة عن أفكار مسبقة من هذا القبيل، ولا نجد عند أيّ منهم أمثلة محسوسة تدلّ على اطلاعهم يثبتون بها جناية الناقد على المبدع. وما فتئنا نكرّر أن المبدع وقت الإبداع يتجرّد تماما من روحه النقدية وأدوات النقد والتحليل فيكون عمله إبداعيا صرفا خاليا من كلّ ما يدخل الضيم على فنّه وخياله. وهذه معاناة لا يحسها من اقتصر على الكتابة الإبداعية وأصرّ على جهل كلّ ما يحفّ بها من أدوات الصنّاعة. وقد ينجح الموهوبون القلائل من المبدعين الجاهلين بأسرار الكتابة لكن الغالب هو الضحالة والفقر الفكري والقصور الفنّي. ونظرة عجلى إلى ما نجح من محاولات الذين يعلمون و الذين لا يعلمون كافية لاستنتاج ما ينبغي استنتاجه من فضل معرفة النقد على الإبداع وجناية الأمّية الثقافية عليه. والجهل بقواعد اللغة وأساليب الكتابة يفضي إلى التجني على اللغة والكتابة معا ثم تأتي التبريرات من صنف " اللغة كائن حيّ يتطور باستمرار"، وهي طريقة ذكيّة للاعتذار ولتبرير عشرات الخطاء، وبعضهم يفسّر الإخلال بالفنّ بضرورة التجديد والتمرّد على المألوف والتقليدي وضرورة التجريب والتخريب والتقويض. وهذه كلمات حقّ أريد بها باطل. فلابدّ من التجديد والتجريب والتحديث لكن في حدود الفنّ وما يحدثه من متعة وليس في نطاق الهدم من أجل الهدم دون بديل مقنع ودون بناء صروح جديدة، بل نجد في كثير من الأحيان نصوصا منفّرة لا تشجّع على الانتهاء من قراءتها لأنها ليست ناتجة عن تصوّر تجديدي واضح المعالم والغايات. فلنكفّ إذن عن طرح مثل هذه الأسئلة التي يريد البعض أن يقصوا بها أهمّ المبدعين وأكثرهم وعيا بأسرار الكتابة.

6- هل تعتقد أن المدارس النقدية سواء البنيوية أو الشكلانية، أو التفكيكية أو الوجودية أو التأويلية،....، قد أسهمت في مزيد جعل النص منفتحا في صيرورته الإنتاجية أم أن هذا الاختلاف الحاد أحيانا في الرؤية النقدية سعى إلى خرق هذه القواعد وولّد التمثل التجريبي الذي أضحى يسلك مساره بعيدا عن الرؤى النقدية؟

المناهج النقدية المختلفة ليست غايتها نفعية أي أنها لا تهدف إلى تلقين المبدع أسلوبا مخصوصا في الكتابة. وهي ليست سابقة للإبداع ولا تملي عليه قواعد ولا شروطا بل غايتها معرفية صرف، إنها تتناول المؤلفات الإبداعية بالدرس والوصف والتحليل والتصنيف بعد صدورها. لذلك فإنّ تعدّد الرؤى النقدية واختلافها لا يهمان مباشرة المبدع، فهي تكاد تكون في واد والكاتب في واد آخر. فمن الطبيعي إذن أن يكون لكلّ منهما تمثّله الخاص، أي أن يكون للباحث منهجه وللكاتب تجريبه وأسلوبه، ثم يلتقيان على صعيد الوصف والتحليل. وهناك العديد من المناهج النقدية التي يمتنع أصحابها من التقييم والتقويم فلا ينتصبون قضاة يحكمون على هذا بالفشل وعلى ذلك بالنجاح. فمهمّة التقييم والتقويم هي من مشمولات الناقد الأدبي الذي يستعين بأدوات أخرى ويعوّل على ذوقه لتقدير الأعمال والحكم لها أو عليها. وهذه القضية شائكة جدّا، قضيّة التمييز بين البحث العلمي الذي يوظف أحد المناهج المتجدّدة باستمرار والنقد الأدبي الذي ينظر في النصوص نظرة أدبية. الأوّل وصفي مجرّد محايد والثاني يقيّم ويغربل ويحكم – لكن كثيرا ما يقع الخلط والالتباس بين النشاطين والغايتين والأسلوبين فيتداخل الوصف والتقييم ويتيه الكاتب في منعطفات تعدّد المناهج والرؤى، فيشق طريقه بنفسه. وحسنا يفعل لأن البحث العلمي في الأدب غايته بالذات معرفة تلك الطريق وخصوصياتها. لا غير. ولهذا من الطبيعي أن تتعدّد الرؤى النقدية ومناهج البحث إلى ما لا نهاية له، وأن تتعدّد التجارب الإبداعية إلى ما نهاية له أيضا في طريقين متوازيين متماسّين متقاطعين، وهذا من شأنه أن يفيد الإبداع والمنهج في الآن نفسه.

7- كيف تقيم الواقع الروائي والنقدي في تونس؟ هل هو حقل خصيب أم أنه يسعى إلى نحت خصوصية ذاتية؟

للواقع الروائي والواقع النقدي مشهدان متفاوتان والجسور بينهما ليست ثابتة في جميع الأحوال. فالرواية في تونس بعد مرحلة طويلة من النشأة البطيئة دامت ما يقارب الثلاثين سنة ( 1955 – 1985 ) تحولت فجأة إلى مرحلة الطفرة وبقيت تتكاثر عددا وتتطوّر شكلا وتتنوّع موضوعا إلى أن بلغت في السنوات الأخيرة نسقا متسارعا فتجاوزت الخمسة وعشرين نصّا في السنة وفي اللغة العربية وحدها، وما يقارب نصف هذا العدد بالفرنسية. وهذا الكم يعتبر بالنسبة إلى قطر لا يتجاوز عدد سكّانه العشرة ملايين نسمة كمّ معقول إلاّ أن اختلاف الأشكال والمواضيع والمقاصد يخفي تفاوتا واضحا في مستوى الكتابة الروائية وتوجّهاتها. فإنك تجد المفرط في التقليد كما تجد المفرط في التجريب. وهذا في حدّ ذاته لا يمثل عائقا أو قضيّة أدبية لأنّ كل تيّار له قرّاؤه وأنصاره، فلا بدّ أن يقرأ للتلقي ألف حساب ولابدّ من تجنّب تعميم ذوق فئة واحدة على الجميع. لكن الإشكال يكمن في مضمون التقليد ومضمون التجريب معا، فالإقناع لا يأتي من التيار الأدبي بقدر ما يأتي من أصالة الأثر الأدبي نفسه، فقد نجد الجودة والرداءة في الرواية التقليدية كما نجدهما في الرواية التجريبية. فالمهمّ ليس التيار بل ما نكتبه في إطار هذا التيار أو ذاك.

وقد واكب النقد الأدبي هذا الإنتاج الروائي بصنفيه فأقرّ نصوصا ورفض أخرى ودعا إلى التجويد والتحكيك لكنّ الروائيين مثل سائر الفنّانين لا يقبلون دوما بصدر رحب ما يوجّه إلى كتاباتهم من نقد إلاّ إذا كان إطراء وتمجيدا، ولهذا السبب يعرض بعض النقاد عن الاهتمام بالروايات المنشورة ويتركون للقراء وللزمن مهمّة انتقاء الجيّد من النصوص والسكوت عما سواها.

ثم إن النقد يواجه تراكمات مختلفة الأجناس الأدبية فيتوزع بين القصة والرواية والشعر والمسرحية، فمن الطبيعي أن يعجز عن مواكبة كلّ ما يصدر في نطاق الأجناس الأربعة، فضلا عن الكتب الفكرية والنقدية نفسها. ولو كان جميع الكتاب يقبلون ما يوجّه إليهم من ملاحظات إيجابية وسلبية لأقبل النقاد على دراسة نصوصهم أكثر ممّا يفعلون الآن. ومن النقاد من لا يهتمّ بردود فعل الكاتب فيواصل عمله بكل تجرّد وموضوعية، لكن منهم من يتأثر لتأثر الكاتب بنقده فيكسّر قلمه ويتركه لشأنه وللقراء وللزمن. ونجد كذلك من الكتاب من يكسّر قلمه أيضا ويمزق أوراقه ويتحول إلى نشاط آخر أو يتوقف عن النشاط تماما لمجرّد قراءته نقدا موضوعيّا ينبّهه إلى بعض المزالق. إذا كان " نحت الخصوصية " كما جاء في السؤال لا يحتاج إلى نقد فلننتظره ثم نحكم على النتائج.

8- في كتابك " نقد الرواية النسائية في تونس" ذكرت للاستدلال على وجود خصوصية في الرواية النسائية مواضيع تركز عليها الكاتبات مثل التعبير عن الرغبات المكبوتة وسبر أغوار الأنا وجعل الذات نقطة المركز في دائرة الاهتمام.

فهل تسعى الكتابة الأنثوية من فوضاها إلى نحت مبناها أم لا يزال الطرح الأنثوي رهين هذه القضايا وحتى و إن تناولت القضايا الاجتماعية فهي من منظور شخصي أنثوي ذاتي حسي ضيق أم هل المرأة اليوم في كتاباتها تحسست ملامح الاختلاف وأضحت تكتب بأكثر نضج فني؟

هذه المواضيع التي ذكرتها هي ما يحتجّ به من يرى خصوصية في الرواية النسائية، وهذا رأي لا أتبناه بل أرى عكسه تماما. وقد عبّرت عنه بكل وضوح في قولي ردّا على تساؤلي:" هل توجد رواية نسائية؟":" لقد دكت الحدود في مجال الرواية بين مختلف الأجناس الأدبية، فتسلّل إليها الشعر والأسطورة ونصوص تراثية كما دكت الحدود بين الواقعي والمتخيل و بين الحلم و اليقظة وبين الماضي والحاضر. فكيف يمكن والرواية على هذه الحال من الانفتاح تصوّر حدود بين رواية تكتبها المرأة ورواية يكتبها الرجل. والبحث عن خصوصية مزيّفة يحدّ من حرية الإبداع. وإذا أقررنا بوجود خصوصية في الرواية النسائية فلا بدّ من الإقرار بوجود رواية رجالية أيضا" ( ص 16 ) ثم أضفت:" والواقع أن لا شيء يجمع بين الروايات التي تكتبها النساء، شأنها في ذلك شأن الروايات التي يكتبها الرجال لا من حيث المواضيع ولا من حيث الأشكال [ ... ] لذا نرى أنه من الأجدى أن تتحوّل إرادة التميّز إلى إرادة الامتياز" ( ص 16 ).

إذن فالنضج الفني الذي تتحدث عنه ليس رهين اختلاف الجنس بل تحكمه عوامل أخرى تنطبق على الجنسين معا مثل الوعي بقضايا العصر – وهو لا ينفي قضايا الذات – والملكة اللغوية والشعرية والتحكّم في مقوّمات الفنّ لتوظيفها التوظيف الصحيح، والتسلّح بثقافة متعدّدة الروافد للاستفادة من تجارب الغير، والرغبة في التجاوز والابتكار، وهاجس التجويد، وغير ذلك. وتجد الذات والأنوثة والتميّز مكانها داخل هذا الإطار وليس في إطار ضيّق مثل اختلاف الأجناس.

9- ما هي رؤية محمود طرشونة للأدب العربي اليوم سواء النقدي أو الإبداعي؟ هل بدأ يضيق أم ينفتح؟ هل هو عقيم أم خصب، حداثي أم حداثوي، تجريبي أم محاكاتي، وهل ثمة ملامح الاستقلالية داخل المتون النصية عن المسار الغربي؟ وما هي عوائقه وكيف ترى السبيل إلى نجاحاته المقبلة؟

هذا السؤال عامّ جدّا لأنه يتعلّق بالأدب العربي ككلّ، إبداعا ونقدا، شعر ونثرا... وليس في مقدور أيّ كان أن يدّعي أنه مطّلع على كلّ ما صدر في كامل البلاد العربية وفي مختلف الأجناس الأدبية. إذن أيّ حكم لا يكون إلاّ نسبيا، مبنيا على ما وقع الاطلاع عليه من الإنتاج الأدبي. وما يطّلع عليه أي فرد في أي قطر لا يمثل إلاّ نسبة ضئيلة من الكمّ الحقيقي خاصة أن توزيع الكتب في البلدان العربية لا يسمح بمعرفة كل ما ينشر هنا وهناك. إلاّ أنه يمكن الحديث عن انطباع، مجرّد انطباع قابل للتغيير في كلّ حين أي كلما تقدّمنا في معرفة بعضنا البعض. ثم إنّ سؤالا كهذا ينطوي على كثير من التعميم ولا يترك مجالا للتفاصيل والخصوصيات ( ضيق / انفتاح – عقم / خصوبة – حداثة / حداثوية – تجريب / محاكاة- استقلالية / تبعية) وهذه نعوت لا يمكن أن تطلق حتى على الكاتب الواحد فما بالك بالقطر الواحد أو الأقطار الثلاثة والعشرين.

والواقع أن كلّ هذه الصفات متواجدة في الأدب العربي المعاصر طبعا بنسب متفاوتة لأنك تجد فيه المغرق في التقليد والمبحر في التجديد والتجريب كما تجد فيه خصوصية تكاد تضيق إلى أن تتحوّل إلى فولكلور كما تجد فيه ملامح عالمية تكاد تذوب فيها كلّ ملامح التأصيل. ولكنّ الغالب على الأدب العربي المعاصر هو التطلّع إلى كلّ ما هو حديث، مجرّد تطلّع، يخطئ ويصيب حسب الأفراد والتجارب وحسب الأقطار وما تسمح به بعض الأنظمة من حرية التفكير وحريّة الإبداع. وكان في الإمكان أن يفوز بجائزة نوبل مثلا أكثر من كاتب عربي واحد لكن المقياس السياسي لإسنادها يتصدّر مقاييس التقييم وإنّي أرى أنّ كثرة انتشار الأمية في العديد من البلدان العربية أكبر عائق يعطّل تطوّر الأدب العربي. فأدب تقرؤه نخبة محدودة العدد لا يمكن أن يجنّح عاليا. ويومَ يصبح الكتاب كالماء والهواء ضروريّا لحياة الفرد وتوازنه عند ذلك يمكن أن نحلم بأدب عالمي، ويصبح مشكل الأصالة والتفتح، والتقليد والحداثة وغيرهما من المشاكل الراهنة أمورا ثانوية جدا.

10- قلت في كتابك الأخير " ألسنة السرد " الصادر هذه السنة عن الدار العربية للكتاب:" نعم للنص ألسنة، وللسرد ألسنة بل النص ناطق بألف لسان".

كيف ذلك وما هي الضرورات والمحفزات التي جعلتك تُعِدّ هذا الكتاب وما هو هذا الطرح الجديد وكيف تنظر إليه أنت داخل المباحث الروائية والنقدية؟

لا أدري هل هو طرح جديد أم متجدّد، فهو يندرج في نطاق منهج نقدي ما فتئت أدعو إليه منذ السبعينات، منذ أدركت أن النصّ الأدبي القويّ نظلمه إذا نظرنا إليه من زاوية واحدة وهو المتعدّد الأبعاد والدّلالات، الناطق بألسنة كثيرة لكن المناهج الأحادية تحصره في منطلقات كل منها، فينظر إليه من زاوية الشكل فقط، أو الأسلوب فقط أو الجانب النفسي وحده أو الاجتماعي لا غير وتهمل الجوانب الأخرى. فرأيت ضرورة الرؤية التكاملية فنظّرت لها وطبّقتها في عديد الكتب والدراسات. إذن فكتابي الجديد " ألسنة السرد " امتداد لسلسلة التحاليل النقدية السابقة وتكريس للتعدّدية المنهجية. وليس من المفيد أن أعود من جديد للتذكير بمقوّماتها لكن أحيل القارئ إلى كتاب آخر لي بعنوان " إشكالية المنهج " ضبطت في الفصل الأوّل منه مقوّمات هذا المنهج التكاملي.

mardi 4 mars 2008

حوار مع الروائية المصرية هويدة صالح

أحيانا أسأل نفسي ما جدوى السؤال فيجيب المداد على الورق لعل روح الإبداع يسائل فيك إستكناه التجارب الإبداعية الأدبية وبث رونق المسائلة التي تندغم عبر معايير تقنية تحتاج إلى كتابات مصاحبة.فالحداثة اليوم أضحت فلكا يستقات منه في آليات الخلق الروائي فالرواية ترفل بصدى مجتمعنا وخلجات كاتبها وما أدراك إذا ما كانت أنثى فينفلت الحبر وفق حساسيتها الكتابية فهل تكون شهرزاد الساكنة في التاريخ المفكرة أم تتمرد لتبث إبداعا يخرج آراءا تغامر لتغاير الواقع والكتابة ولعل الروائية المصرية هويدة صالح تجنح وجوهر الخلق الإبداعي وتعانق روح التجريب فسألتها في هذا الحوار لأظفر منها بمناويل إبداعية في مستوى التي تكشف خبايا ذاتها وهواجس كتاباتها المصرية العربية وإرتحال قلمها في الورقة.

حاورها محمد الماجري
السؤال الأول
ثمة أسئلة نقدية جديدة ومتجددة داخل المناهج والمدارس النقدية وإذ ما ربطناها بمستويات التجريب الإبداعي نجدها أحيانا تجترح المدونة النقدية عبر تفعيل سواء البنيوية أو الشكلانية أو الوظائفية أو النفسانية ...، وفي ظل هذا المنطلق هل يمكن تأصيل خطابات نقدية تجنح والثبات الإبداعي؟

أعرف أن الاشتغال النقدى والنظرى على وجه التحديد يحرز اهتماماً بالغا فى المشهد الأدبى المغاربى عموما ، ولكننا فى مصر نقلل من هذا الشغف النظرى لصالح الإبداع ذاته ، فالخبرة الإبداعية والجمالية سابقة على النظرية ، والآن ثمة ظاهرة جديدة لدينا ، هى أن عدد المشتغلين بالنقد من غير الأكاديميين يتزايد ، وهم ـ عادة ـ يقدمون خطابا نقدياً مختلفاً وفارقاً . إن هذا التمسك بتلابيب النظرية النظرية لم يعد مبرراً الآن ، فيما تسعى النظرية ـ الآن ـ إلى تفكيك نفسها ، والذوبان فى فضاء أوسع هو النقد الثقافى ، نحن نعيش فى لحظة بعد حداثية ، تتماهى فيها المسافات الفاصلة بين المتناقضات التى مثل الذات والموضوع ، والنظرية والممارسة ومثل تلك المتناقضات التى خلقت فى فضاء الحداثة وحاكمية العقل العلمى ، ولدينا الآن عدد من النقاد المبدعين يمارسون اللعبتين دونما شعور بالاغتراب ، وبنفس الدرجة من التميز ، والطريف أنهم ينتجون نصوصاً تحمل جينات هذا التهجين الذى كان مستحيلاً فيما مضى ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فرواية فوق الحياة قليلاً للناقد والمبدع سيد الوكيل ، تمارس نوعاً من السرد التحليلى ، ليس فقط للرواية نفسها ، ولكن لأعمال سابقة للمبدع نفسه ،إنها درجة قصوى من التماهى بين الذات والموضوع ، وهى مع ذلك قدمت نمطاً متميزاً من المتعة المعرفية والجمالية تكف يد الناقد المناهجى ، ولكن دعنى أخبرك أن هذا أمر صعب ، وعبء جديد يضاف على المبدع ، إذ يجب أن يكون على معرفة عميقة بالنظرية النقدية ، ثم عليه بعد ذلك أن يتجاوزها ويتمثلها جماليا وهذه هى المرحلة الأصعب ، لكن ذلك ليس مستحيلاً ، بعد أن سقطت أقنعة الكهانة العلمية بفضل انفتاح وسائط وتداول المعرفة ، وتوسيع دوائر البحث .
إن ممارسة على هذا النحو من شأنها أن تطيح بالثبات الإبداعى ، ولكن دعنى أذكرك ، إن تأصيلها ومحاولة بلورتها فى خطاب بعينه ، سيعيدنا للثبات مرة أخرى ، فما معنى أن تستبدل قيد من حديد بآخر من حرير !! نسعى لعناق طويل بين النقد والإبداع.
السؤال الثاني
إرتحال المواثيق النصية المشرقية الإبداعية حققت نوعا من التآلف في الحقل الإبداعي المغاربي فهل لايزال هذا التقاطع يسكن هواجس الكتابة؟

لا أعرف لا أميل كثيرا لمن يفصل بين المدونة المغاربية والمدونة المشرقية سواء في النقد أو الإبداع ، المبدع العربي أعتقد ليست لديه هذه الحدود الفاصلة والصارمة بين ما هو مغاربي وبين ما هو مشرقي ، لا يوجد تقاطع بل يمكن لنا أن نقول هناك روافد مشتركة تجمع الطرفين .
السؤال الثالث
داخل الأدب المقارن نجد رحلة في لهيب أسئلة النصوص فكما يذهب إلى ذلك باسل الخطيب في كتابه مدخل إلى الأدب المقارن نلحظ أن الحوض الإبداعي المغاربي إستثمر إنفتاحه الأدبي الأوروبي ولكن في المقابل وظف أحيانا تراثه مسائل إياه ، نذكر كتاب العلامة لسالم حميش ، فإنبثقت في مستوى المتون النصية مغايرة أجناسية ، فكيف ترين ذلك؟
أولاً يجب ألا تنسى أننى مصرية ، ولست مشارقية بالمعنى الدقيق ، مصر فى قلب العالم العربى ،لهذا فهى تضخ وتستقبل من المشرق والمغرب على قدر واحد ، ولكن دعنى أقول أننا أقرب إلى الثقافة المغاربية ولاسيما تونس ، نحن لانشعر أنها بعيدة عنا ، ليس فقط لأننا نتسم هواء بحر( متوسطى ) واحد ، ولكن لأن بيننا صلات رحم قديمة منذ أيام الدولة الفاطمية التى زرعت جذوراً ثقافية مازالت تنمووتتنفس فى كل بيت مصرى ، ألا ترى أننا مازلنا نتجاذب ابن عروس بيننا ، ونتغنى فى السيرة الهلالية بجمال نساء تونس !!
صحيح أن الثقافة المغاربية مارست انفتاحاً كبيراً على الثقافة الأوربية ، ولكن لاتظن أننا بعيدون عن ذلك ، ففى وقت كان المغاربة مازالوا تحت حكم البايات ، كانت مصر ترسل رفاعة الطهطاوى إلى فرنسا وهو مدد استمر حتى طه حسين ويحيى حقى ، أما الآن فإن فرنسا وأوروبا كلها أصبحت فى قلب العالم ، فبعد أن أصبح العالم قرية واحدة لم تعد مثل هذه المقارنات محل اعتبار كبير ، وإذا كانت الرواية جسد أوربى بالدرجة الأولى ، لكنها وجدت فى المغرب ومصر معا ، من يضخ فيها موروثاً عربيا وإسلاميا ، ونموذجنا فى هذا ليس جمال الغيطانى فقط ، بل لدينا العديد من الكتاب الذين وظفوا التراث الصوفى ، وهوتراث ممتد من مصر إلى المغرب وموريتانيا كما تعلم ، ومتشابه إلى حد مدهش .
وإذا كنت تتكلم عن الجرأة التى امتلكها المبدع المغاربى فى اختراق تابوهات الواقع ، ولاسيما فى الأدب النسوى ، فقبل أحلام مستغتنمى كان لدينا نوال السعداوى ، والآن سلوى النعيمى من سوريا فى (برهان العسل ) ، إن التمرد على قيود الواقع صفة ملازمة لكل إبداع حقيقى ، ولدينا العديد من الروايات الممنوعة من أجل هذا ، لكن وجود مبدعين متحررين فى أوربا من المغرب أو من مصر مثل نوال السعداوى أو من سوريا مثل سلوى النعيمى ، لايسجل انتصارا لثقافة بلادهم ، بقدر ما يسجل هزيمة للأنمة الحاكمة فيها . أعنى أن الفروق الآن لم تعد ثقافية بل سياسية ، فتعال نتحاجج بهذا المعيار.
السؤال الرابع
توظيف الأسطورة في عالم الكتابة العربي نلحظ أنها تستسقى من اليونان من المآسي والتراجيديا والملحمة قصد تحقيق ظاهرة التطهير الإجتماعي النصي ولكن بالمقابل بحكم التراكمات التاريخية الإسلامية نجد شهرزاد ترتحل من الثبات إلى الحيرة فتتقاطع مع ماهنتا وماهابهرتا فهل ثمة تقارب للإجتماع بينهم؟
بالطبع توظيف الميثيولوجيا القديمة وخطاب الأسطورة كان الأساس الذي انطلق منه الإبداع ، ولو أننا نظرنا إلي معظم الحضارات القديمة لوجدنا أنها تنبع ربما من روافد واحدة وإن اختلفت المصبات ، يقول الكاتب المغربي عبد السلام زيان في كتابه " الأوبانيشاد " الذي صدر مؤخرا في القاهرة أنه كان هناك اتصالات بين الفراعنة والصينيين وأهل بابل وآسيا ككل وشمال إفريقيا والمشرق منذ الأزمنة الغابرة. والعلاقة الدينية بين ما يسمى بالمشرق الإسلامي الحالي وآسيا قديمة جدا ، حيث نرى مثلا في العهد البابلي حوالي ( 1600 ق م ) آلهة تحمل أسماء هندوسية. والغريب في الأمر أن السلالة الحاكمة في ذلك العهد كانت شرقية . ورغم أن المنطقة لم تكن خاضعة لاحتلال خارجي، سواء من طرف العلاميين أو غيرهم، فإننا نجد ملكا من الملوك يحمل اسم آلهة هندوسية بلغة السانسكريت "مارات", ونجد كذلك أن سكان المنطقة عبدوا الإلهة "شورياش"- بلغة السانسكريت سوريا, وهي الإلهة "شمس" أو "شمش". في ذلك العهد كانت بلاد فارس جزءا من الهند في عدة فترات (نجد عند أهل بابل مثلا اسم الله هو باجاش وبالفارسية نجده تحت اسم باجا) ونجد كذلك عند الحيثيين في ذلك العهد كثيرا من الآلهة المستوردة من الهند."
السؤال الخامس داخل تلابيب المباحث النقدية من المؤكد أنه توجد عوائق كثيرة فما هي؟

دائما هناك عوائق ودائما هناك رغبة فى تجاوزها ، وهذه الرغبة هى التعبير عن جدية البحث ، إذا فقدناها فهذا مؤشر خطر ، أظن أن الثقافة لعربية الآن فى مأزق ، بمعنى أن البحث العلمى والنقدى وصل فيها إلى قمة تراجعه ، وعادة ، فعندما تصل المجتمعات إلى هذه الحافة فإنها تشعر بالخطر وتبدأ العمل على تجاوزه . لهذا اتوقع انفتاحا ما فى اتجاهات البحث ، لكن البحث له مشاكله الداخلية ، فثمة مشكلات تتعلق بسطوة المصطلح وأخرى نتيجة للتداخل وتماهى الرؤية ، لكن أخطرها هو رغبة النظرية فى الاكتمال ، إن الادعاء بالاكتمال النظرى وهم وعائق كبير ، والسؤال هو كيف يمكن للنظرية تفهم الخصوصيات الثقافية ؟
السؤال السادس كيف تقيمين المشهد الإبداعي العربي؟

المشهد الإبداعي العربي فيه تخبط كبير ، لا يمكن تقييمه في الفترة الراهنة اللهم إلا التجارب والمشاريع الإبداعية التي اكتملت ، أما هؤلاء الذين مازالوا يجربون ويتلمسون خطواتهم الإبداعية فالطريق مضبب ومظلم علي تقييم مشروعاتهم ، فربما تجد عملا إبداعيا نال شهرة تفوق الوصف ولو تعاملت مع هذا العمل فنيا لفجعت ووجدته لا يستحق كل هذه الضجة وهذا التطبيل ، تري ما هي المعايير التي ينال بها عمل شهرة وفرقعة إعلامية أو حكما بجائزة ؟ لا توجد معايير ، فكل عمل له ظروفه ، والمشهد الإبداعي يتحكم فيه الكثير من مدعي الإبداع ، ويصنعون زيفا وفرقعات وفقاقيع ، الزمن القادم سيفرز وينخل ويغربل كل هذا .
السؤال السابع
في مستوى مصر ثمة اختلافات كثيرة وشقوق إبداعية ونقدية كل على حدة فما هي الأسباب؟

بداية مصر بلد كبير ، ومتعدد فى روافده الثقافية ، وهو تعدد يصل إلى حد التناقض ، وحتى الستينيات من القرن العشرين ، لم يكن هذا مسموحا به، كان ثمة مظلة أيديولوجية كبرى ، والمختلفون عنها قلة مهمشة ، أما الآن فالمشهد مفتوح على آخره ، ومن حق كل تيار أن يعبر عن نفسه بصوت مسموع ، إن التعدد والاختلاف ظواهر صحية علينا ألا نضيق بها ، لكن المشكلة أن الثقافة العربية فى مجملها ، ولاسيما تحت أنظمة مستبدة ، لم تتفهم ثقافة الاختلاف ، فعندما نختلف ننفى بعضنا بعضا ، ومع ذلك أنا متفائلة ، الآن أشهد تغيرات فى المشهد ، تسلم وتؤمن بأن الاختلاف فريضة ثقافية يجب ألا تغيب لأن منها يخرج الجدل الدافع للإبداع والتجاوز .
السؤال الثامن
ما مفهوم الحداثة داخل طاقات خطابات اللغة العربية الإبداعية؟
إن الحداثة أفق للتفكير النظري وممارسة النقد ، و مشروع الحداثة العربية في الأدب أمر ضروري من أجل إبراز خصوصيتنا وهويتنا "اللتين لا تستطيعان الإفلات من منطلق العصر ، والحداثة يمكن اعتبارها حركة إبداع تساير الحياة في تغييرها الدائم ولا تكون وقفا على زمن دون آخر فحيثما يطرأ تغيير على الحياة التي نحياها فتتبدل نظرتنا إلى الأشياء . ورغم أن الحداثة العربية هي حداثة غربية في كل جوانبها إلا أنها دخلت لمجال التفكير العربي دون غرابة لأنها اتخذت صورة العصرية والاتجاه التجديدي في الأدب وارتباط مفهوم الحداثة في أذهان بعض المثقفين بحركة ما يسمي بالشعر الحر أو شعر التفعيلة . إذن تجربة الحداثة في الأدب العربي ارتبطت بحركة التجديد في الأدب ومن أهم دعاتها وروادها في الأدب العربي يوسف الخال وأدونيس الذي نادي في كتابه " الثابت والمتحول " بهدم البني التقليدية السائدة في الفكر العربي .
إذن الإبداع في الحداثة يهتمّ بالتعرّف على العالم وعلى تعقيداته وتحوّلاته، بمعنى أنّ رهانه هو إبراز كيفية تَغيُّر الواقع بتَغيُّر الزاوية التي يُنظر منها إليه .
السؤال التاسع هل يوجد مأزق نصي في مستويات الكتابة العربية فالكتابة المشرقية لها خصوصياتها والمغاربية كذلك فأين التواصل هل هو تواصل كتابي أم إشكالي رهين القضايا العربية؟
لا أعتقد أن هناك مأزق تواصل بين الإبداع المغاربي والمشرقي ، فالقضايا العربية المشتركة تشكل قواسم مشتركة للمبدع ، إلا أن لكل بيئة خصوصيتها في طرح قضاياها وهمومها . السؤال العاشرما هي عوائق الكتابة اليوم؟
عوائق الكتابة اليوم
عوائق الكتابة كثيرة منها سيطرة المصالح والشللية علي المشهد الإبداعي ، وغياب الخطاب النقدي ، وغياب المصداقية للمبدع ، وتهميش دور المثقف في المجتمع ، وصعوبة النشر ، وغياب دور المؤسسات في رعاية الإبداع .

شواطئ الإبداع

مدونة مخصصة لحواراتي الأدبية الإبداعية الدولية ورجع صدى لأبحر إهتماماتي المرتمية في شواطئ الثقافة والمرتحلة لإستكناه مقومات التطور الإبداعي وهذا إلى جانب إندراج هواجسي في كل ما يتعلق بكتابة السيناريو السينمائي والوثائقي وأرجو أن تبحرو معي في كنه الثقافة العربية المتأصلة في خلق جوهر الإنفتاح والحداثة وخدمة كل ما يتعلق بصنوف الإبداع والأدب العربي

حوار مع الروائي المغربي أحمد الكبيري

حاوره محمد الماجري رئيس تحرير القسم الأدبي بجريدة فسيفساء الثقافية التونسية

عتبات العناوين مدخل يستوعب هاجس الحداثة. فمعاول النقد تجترح المدونة الإبداعية وتندغم في ثوايا المتون النصية ولا ريب أننا عندما نفعّل منهجا إجرائيا يستكنه أشكاله الفنية من المدارس النقدية (الشكلانية والنفسانية والوظائفية واللسانية والتداولية... حتى التأويلية) التي تستوعب هاجس الإختلاف المنبثق من الخصوصيات التي تبني أشكالا أجناسية مفارقة. ولعل منطق التجريب ما حفزني لقراءة كتب الروائي المغربي أحمد الكبيري وأردت أن أبث فيه سؤالي الذي يرتحل وفق الإنفتاح الكوني في ملتقى التجارب الإبداعية فأحيانا يسألني القلم : هل أنا أكتبك أم أنت تكتبني؟ فأتفقت معه على أن ندخل في معاهدة مفادها التالي : السؤال الإبداعي ومنطق الإختلاف ومد حلقات التواصل في أبحر الثقافة فسألت :

السؤال الأول: في ما يتعلق بكتابة الرواية من المؤكد أن لحظة الخلق الروائي في صدر الكاتب تتقاطع وطفولته وحياته فما علاقة الذات بالمكتوب؟


أولا يجب أن نتفق بأن أي عمل روائي هو عمل تخييلي بالدرجة الأولى، وأقصد بالتخييل هنا، قدرة الكاتب على رسم معالم بناء حكائي متناسق ومنسجم ذي بعد جمالي إمتاعي لا تخطئه أبدا ذائقة القراء، وكما قد يكون هذا المعمار السردي على درجة كبيرة من الدقة والروعة فيأتي متصفا إلى حد ما بالكمال، قد تشوبه أيضا بعض العيوب فيصل إلينا بأعطاب كثيرة. لكن ما علاقة الذات الكاتبة بالنص وما محلها من الإعراب داخل كل عمل تخييلي؟

أعتقد، وهنا أرد على سؤالك، أن ذات الكاتب دائما حاضرة بشكل أو بآخر داخل منجزه السردي. فهناك بالضرورة علاقة وطيدة بين مؤثرات الطفولة وحياة الكاتب والمجال الإبداعي الذي يشتغل عليه. قد لا تكون تلك العلاقة مباشرة لكنها لا شعوريا موجودة. فطفولتنا هي المحدد الأساس لركائز الشخصية التي نصيرها لما نكبر. وبالتالي فكل ما ينجزه الروائي يكون في جزء كبير منه محكوما بتلك الطفولة التي لم تكبر فيه أبدا. المبدع عموما، ربما ما يميزه عن سائر الناس العاديين، هو حفاظه ورعايته للطفل فيه. فالمبدع الحقيقي مسكون على الدوام، أراد ذلك أو لم يرده، بدهشة الطفل وبراءته وهشاشته وحساسيته وصفاء حسه وخوفه وفي أحيان كثيرة هو يطل على العالم من شرفات الطفولة البعيدة. ففي كل النصوص الروائية العظيمة،تتراءى للقارئ ظلال الكاتب بين السطور.

الكاتب الأصيل مهما غير من التيمات التي يشتغل عليها فهو لابد أن يظل وفيا لأسلوبه مخلصا لقناعاته ومتطلعا لتلك الآفاق حيث تتحقق رؤاه. وفي حوارات عديدة لكتاب كبار عندما سئلوا لماذا لم يكتبوا سيرهم الذاتية، أغلبهم رد بأن سيرته منثورة في متنه السردي وأعماله التخييلية. وأظن أن الباحثين في هذا المجال غالبا ما استخرجوا للوجود حياة الكتاب وسيرهم من مؤلفاتهم. فالكاتب شأنه شأن أي مجرم محترف، فمهما حاول اقتراف نص إبداعي تخييلي خالص، كما يحاول المجرم ارتكاب جريمة تامة، فلن يفلح في محو كل الآثار. أقصد بصماته الخاصة جدا والتي تدل عليه.

أما عني أنا، فلا يخرج تصوري وفهمي للكتابة عما سبق ذكره. فوجود الذات داخل النص هي ما يمنح الكاتب تميزه وفرادته. ولولا حضور ذات الكاتب لأصبحت كل النصوص متشابهة. الجديد الذي أضيفه إلى مدونة السرد، ليس ما أنتجه من نصوص وإنما بصماتي الخاصة في معالجة تلك التيمات المشكلة لنصوصي. وذلك هو الأهم. أقصد أن نبصم أعمالنا بخصوصياتنا التي لا تشبه في جوهرها إلا نفسها. لكن هذا لا يعني أن النصوص الروائية هي مجرد سير ذاتية معادة بتقنيات السرد الروائي. إنما الذات تشكل بالإضافة إلى مرجعية الكاتب ومقروئياته وقدرته بل موهبته على خلق عوالم تخييلية، كلها روافد تصب في بحر الإبداع الروائي وعوالمه. فمرتكز ما أنجزه من نصوص هو تجاربي في الحياة وما حصلته من معارف عن طريق الكتب والتكوين وتلك القدرة على التخييل غير المكتسبة.

السؤال الثاني: كيف تقيم المشهد الروائي المغاربي؟

بصراحة أنا لست مؤهلا لتقييم المشهد الروائي حتى في المغرب فبالأحرى في بلدان المغرب العربي، ذلك أولا، لأن سؤالكم غير دقيق، وغير محدد بفترة زمنية مضبوطة

ثانيا، التقييم ليكون موضوعيا يتطلب قراءة فاحصة ومتأنية لمنجز الرواية في هذه البلدان، وفق منهجية إجرائية محكمة. وكما تعلمون، فهناك إشكالات كبيرة تتطلب بحوثا أكاديمية رصينة في هذا الصدد. ومنها نشوء فن الرواية في هذه البلدان، واللغات التي يعتمدها أبناء هذه المنطقة العربية في كتابة الرواية. والتيمات التي يشتغلون عليها؟ وما مقدار مساهمة الكتابة النسائية في تطور فن الرواية داخل هذه البلدان؟ وهل هناك اختلاف في ما يكتبه الجيل الجديد من الروائيين عن جيل الرواد؟ وهل هناك حضور مؤثر فعلا للرواية في هذه البلدان كمعطى ثقافي يسهم في بناء ثقافة جديدة؟ وهل تداول الرواية بين هذه البلدان قد نجح إلى حد ما في تكسير الحواجز والأسوار التي لا يدخر السياسي جهدا لإعادة إقامتها؟

أعتقد أن هناك أسئلة كبيرة ومهمة على المختصين أن ينبروا للنبش فيها. ومع ذلك لا يسعني إلا أن أقول لك، بأنه في ظل الشروط القاسية التي ينتج فيها كتاب المغرب العربي نصوصهم، وأقصد غياب أي دعم من أية جهة، هذا إذا أضفنا معضلات القراءة والتوزيع

والمنافسة الشديدة للوسائط الأخرى، فإن الكتاب يصبحون كمناضلين حقيقيين تدفعهم قناعاتهم الكبيرة بأوهامهم على اقتراف المزيد من النصوص. وهنا لا فرق بين روائي وشاعر أو قاص. الكل يزاوج بين انشغالات اليومي وإكراهات الحياة والكتابة الإبداعية. لكني مع ذلك مؤمن بكل كاتب له أسطورته الشخصية ومتأكد من نجاح صوته في الوصول إلى جمهور القراء. يقول باولو كويلو في روايته الكيميائي: " إذا كانت لك أسطورتك الشخصية فتأكد بأن العالم كله سيتواطأ معك لتحقيقها".

ولا أخفيك سرا بأن أصواتا جديدة حقيقية في مجال الإبداع الروائي بدأت نصوصها تصلنا من كل بلدان المغرب العربي، وساهم التعاطي مع وسائط الاتصال الحديثة، كالأنترنيت والجرائد والمدونات الإلكترونية، في تعرفنا على العديد من الأسماء الواعدة.

السؤال الثالث: هل التراث الجماعي في مستوى الكتابة يمكن أن يكون مرجعا ترشح به اللغة؟

ربما ما يميز الرواية عن باقي الأجناس الإبداعية الأخرى من قصة وشعر، هو ما تزخر به من تعدد لغوي. فأنت قد تجد داخل الفصل الواحد، من نص روائي شحنات لغوية متفاوتة العمق والمعنى والدلالة والتكثيف. اللغة في الرواية تتحكم فيها الحالة التي نكون عليها أثناء الكتابة والموضوع الذي نكتب فيه. فقد نكتب فقرات فيها من الشاعرية ما يفوق شعرية العديد من النصوص المحسوبة على الشعر، وقد نكتب حوارا تصبح فيه الفصحى في تماه شديد مع العامية. وكما قد نكتب كلمات يشتم منها عبق التاريخ أو حضور الأسطورة، يمكننا أن نكتب بلغة تقريرية تشبه إلى حد ما لغة محاضر كتابة الضبط. اللغة في الرواية لا تؤمن بالوحدة والانسجام. والسبب جد بسيط، هو تعدد الأمكنة والأزمنة والفضاءات والشخوص والأحاسيس. وهذا التعدد في مستوى اللغة هو الذي يبرهن على صدق تجربة الكاتب في تقمصه لأدوار شخوصة ونجاحه في جعلها تتحدث إلينا كما هي وبما تحمله إلينا من خطابات.

وأعتقد أن الروائي، يصغي جيدا لمحيطه ومنفتح بشكل رهيب على ما يدور من حوله، وله قرون استشعار خفية تقوده إلى حيث تتعذب الذات الإنسانية. الروائي وإن كان يعيش عصره فهو دائم البحث والتأمل في التفاصيل التي تقلق هذا العصر. وقد تكون تلك التفاصيل تعود إلى نشأة الكون. ولذلك فالتراث الجماعي لا يؤثر في لغة الرواية فحسب ولكنه يشكل في كثير من الأحيان المادة الخام لكل صرح روائي جبار.

السؤال الرابع: مستويات التجريب داخل طاقات اللغة تستوجب معاول عقلية وإلمام بالمدونة الأدبية، هل هذا ضروري في الكتابة؟

بداية لا بد أن أشير بأنه لا موقف لي من أي شكل من الأشكال المتاحة أو المتخيلة للإبداع. وأحترم كثيرا، كما سبق لي أن أشرت، كل شخص يؤمن بفكرته ويعتقد في أسطورته الشخصية. فكلمة مبدع أولا وأخيرا ينبغي أن تحمل بين معانيها كثيرا من النبل وصاحب هذه الصفة يتعين فيه أن يؤمن بالاختلاف وأن يحسن تدبيره. وأعتقد أن التجريب لا زال كمفهوم غير واضح. أو على الأقل بالنسبة لي. لأني أعتقد في كتابة كل نص جديد من أي كاتب إنما هو يجرب بشكل أو بآخر أن يقدم إضافة ما إلى الحقل الذي يشتغل فيه. ثم إنني لا يمكنني أن أتصور وجود كاتب وخاصة في مجال الرواية، يكتب من فراغ. الرواية كتابة حيوات ومصائر بما تكون لهذه الحيوات والمصائر من تجارب موغلة في الزمان ومرتبطة بالضرورة بعدة فضاءات وأمكنة. فالمفروض إذن في أي كاتب،على الأقل قبل أن يشرع في الكتابة، أن يكون قد أجاب بينه وبين نفسه على الأسئلة التالية: لماذا أكتب؟ وماذا سأكتب؟ و لمن سأكتب؟

الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد مسار الكاتب وهي التي سوف تحكم الطريقة التي سينهجها في كتاباته. فهناك كتاب يكتبون للمستقبل أو يعتقدون ذلك، ويشتغلون بالطريقة التي اقتنعوا أنها هي المناسبة، ولا يهمهم أن يقرأهم جمهور عريض الآن. وهناك من اختار أن يكتب للحاضر ولا يهمه أن يقرأ في المستقبل. وهناك أيضا، من يجتهد ليكون ابن الحاضر ويستمر مؤثرا حتى في المستقبل. وأنا من هذه الفئة الأخيرة التي يهمها التركيز على ما يرتبط بما هو إنساني وما هو متأصل فيه. ولا أتعب نفسي أبدا بتعقيد المبسط بخلق لغة مغايرة، بل أنا منشغل دائما بجعل ذلك المعقد في حياتنا ونفوسنا بسيطا. وقد يكون هذا في حد ذاته تجريبا بمعنى ما.ن يشرعأن

سؤال الخامس: هل ثمة نقاط تقارب بين الكتاب العرب؟

أعتقد ذلك، لأن واقعنا متشابه. فأغلب الدول العربية تعيش أوضاعا سياسية واقتصادية مزرية. والكتابة عموما إبنة شرعية لبيئتها. فالكتاب العرب عموما منشغلون ببيئتهم ويهمهم أن يعروا ويفضحوا ما هو مسكوت عنه، ويسهموا إلى حد ما في توسيع مجال الحريات وتكوين رأي عام. فحاملوا القلم بصفة عامة بما في ذلك الصحفيون، هم من يجعل الحلم بعالم أجمل ممكنا. ولذلك فالعديد من النصوص الإبداعية وبخاصة الروائية، لكتاب عرب أتيح لي أن أطلع عليها، وجدت فيها تقاطعات وتقارب وجهات نظر كثيرة. فنحن نغرف في الغالب من روافد واحدة من حيث التكوين. فكلنا على المستوى العربي بدأنا تعليمنا بحفظ القرآن، فلغتنا بالضرورة ستكون مشبعة بقاموس مشترك، ثم تعليمنا وقراءاتنا فهي لا تخرج في مجال الأدب، عن تراثنا القديم ومتون رواد الأدب. لكن كما أشرت أعلاه، الذات الكاتبة هي التي تمنح للعمل الأدبي خصوصيته وتفرده. وأهم نقط التقارب بين الكتاب العرب حاليا هي المتعلقة بالتيمات التي يشتغلون عليها والعودة إلى الحكاية.

السؤال السادس: إتحاد كتاب المغرب لديه خصوصيات إلى جانب جمعيات أخرى أدبية تنشط بمفردها فلماذا هذا التباعد؟

لا أعتقد أن هنالك تباعدا بين اتحاد كتاب المغرب، وما له من رمزية مستمدة من تاريخه والأسماء الوازنة التي انضوت تحت لوائه، وباقي الجمعيات والإطارات الثقافية الأخرى في المغرب. لكن الوضع الثقافي بشكل عام به خلل ما. وهذا الخلل في جزء كبير منه يرجع للمسؤولين الذين أنيطت بهم مهمة التدبير الشأن الثقافي في المغرب. قد تكون هناك إطارات ثقافية مهمة وفاعلة، لكن في غياب سياسة ثقافية شاملة وواضحة، ينخرط فيها الجميع، سيظل عمل هذه الإطارات متواضعا مقارنة مع ما نطمح إلى تحقيقه على هذا المستوى. والمبادرات الفردية مهما كانت صادقة فلا يمكنها أن تذهب بعيدا في غياب دعم حقيقي لها. والمحصلة هي التشتت والارتجالية ووضع ثقافي بئيس. وربما هو ما يجعل بعض الانتقادات السطحية تختزل الخلل في مردودية هذه الجمعية أو تلك، لتستمر المهزلة. في الوقت الذي ينبغي النضال على واجهة أهم، كي تصبح الثقافة إحدى الأولويات التي على الدولة النهوض بها. لكني مع ذلك سأظل متفائلا بغد ثقافي أجمل، ما دامت فيه أقلام مناضلة تقاوم كل هذا البوار الثقافي الذي نعيش فيه. فمن أسباب النجاح في مهامنا أن نكون على استعداد دائم لأداء الثمن. وهذا الجيل الجديد من الكتاب قدره أن يِؤدي الثمن مضاعفا.

السؤال السابع: الحداثة هل هي هاجس لا يزال ينمو داخل الرواية؟

أنا لا أفهم إلا حداثة واحدة ينبغي على الكاتب ألا يزيغ عنها، وهي أن يظل مؤمنا ووفيا للقناعات التي يكتب لأجلها، وأن يظل مرتبطا بهموم وقضايا الناس الذين اختار أن يكتب لهم وعنهم. أما أية حداثة خارج هذا الإطار فلا أفهمها. ذلك شأن متروك للفلاسفة والمنظرين وأهل الاختصاص. المبدع، في نظري المتواضع، وإن كان مطلوبا منه أن يظل بشرفات متعددة مفتوحة على حدائق المعرفة بكل أصنافها إلا أنه ليس ملزما أثناء الكتابة بالتقيد بأية نظرية أو الامتثال لأي توجه. فالإبداع الذي لا تكون فيه من الجرأة ما يسمح بخلق نوع من الصدمة للآخر، فهو إبداع مهادن. وليس بالهدنة تتحقق الأحلام وتتخلخل المفاهيم. من المفروض أن للمبدع رؤاه، فإذا لم يقتنع هو نفسه بها ويعمل على الدفع بها نحو التحقق، لا أعرف كيف سيقتنع بها الآخرون، وكيف سيكون كاتبا مؤثرا.

السؤال الثامن: ما مفهوم الزمان في خلق الرمز داخل الرواية؟

ينبغي التمييز بين الزمان بمعناه الأزلي السرمدي، والزمن بمعناه الظرفي العابر، وما دمت قد عنيت في سؤالك رمزية الزمان بمعناه الأول، فاسمح لي أن أقول لك، بأن ما يصنع رمزية من هذا النوع في الرواية هو قدرتها على تجاوز الزمن بمعناه الظرفي، لتسكن عقول القراء ووجدانهم عبر صيرورة الزمان غير المنتهية. فالرواية محدودة الزمن من حيث الكتابة، لكنها مفتوحة كأية حياة مستمرة من حيث تقاطع الأزمنة الثاوية فيها. فهي كما قد تحرضك على النبش في جذور غابرة في حقب بعيدة يمكن أن تحلق بك في آفاق مستشرفة للمستقبل. وتلك ربما هي رمزية الزمن الحقيقية.

لمراجعة السيرة الذاتية للروائي أحمد الكبيري