حاوره محمد الماجري رئيس تحرير القسم الأدبي بجريدة فسيفساء الثقافية التونسية
عتبات العناوين مدخل يستوعب هاجس الحداثة. فمعاول النقد تجترح المدونة الإبداعية وتندغم في ثوايا المتون النصية ولا ريب أننا عندما نفعّل منهجا إجرائيا يستكنه أشكاله الفنية من المدارس النقدية (الشكلانية والنفسانية والوظائفية واللسانية والتداولية... حتى التأويلية) التي تستوعب هاجس الإختلاف المنبثق من الخصوصيات التي تبني أشكالا أجناسية مفارقة. ولعل منطق التجريب ما حفزني لقراءة كتب الروائي المغربي أحمد الكبيري وأردت أن أبث فيه سؤالي الذي يرتحل وفق الإنفتاح الكوني في ملتقى التجارب الإبداعية فأحيانا يسألني القلم : هل أنا أكتبك أم أنت تكتبني؟ فأتفقت معه على أن ندخل في معاهدة مفادها التالي : السؤال الإبداعي ومنطق الإختلاف ومد حلقات التواصل في أبحر الثقافة فسألت :
السؤال الأول: في ما يتعلق بكتابة الرواية من المؤكد أن لحظة الخلق الروائي في صدر الكاتب تتقاطع وطفولته وحياته فما علاقة الذات بالمكتوب؟

أولا يجب أن نتفق بأن أي عمل روائي هو عمل تخييلي بالدرجة الأولى، وأقصد بالتخييل هنا، قدرة الكاتب على رسم معالم بناء حكائي متناسق ومنسجم ذي بعد جمالي إمتاعي لا تخطئه أبدا ذائقة القراء، وكما قد يكون هذا المعمار السردي على درجة كبيرة من الدقة والروعة فيأتي متصفا إلى حد ما بالكمال، قد تشوبه أيضا بعض العيوب فيصل إلينا بأعطاب كثيرة. لكن ما علاقة الذات الكاتبة بالنص وما محلها من الإعراب داخل كل عمل تخييلي؟
أعتقد، وهنا أرد على سؤالك، أن ذات الكاتب دائما حاضرة بشكل أو بآخر داخل منجزه السردي. فهناك بالضرورة علاقة وطيدة بين مؤثرات الطفولة وحياة الكاتب والمجال الإبداعي الذي يشتغل عليه. قد لا تكون تلك العلاقة مباشرة لكنها لا شعوريا موجودة. فطفولتنا هي المحدد الأساس لركائز الشخصية التي نصيرها لما نكبر. وبالتالي فكل ما ينجزه الروائي يكون في جزء كبير منه محكوما بتلك الطفولة التي لم تكبر فيه أبدا. المبدع عموما، ربما ما يميزه عن سائر الناس العاديين، هو حفاظه ورعايته للطفل فيه. فالمبدع الحقيقي مسكون على الدوام، أراد ذلك أو لم يرده، بدهشة الطفل وبراءته وهشاشته وحساسيته وصفاء حسه وخوفه وفي أحيان كثيرة هو يطل على العالم من شرفات الطفولة البعيدة. ففي كل النصوص الروائية العظيمة،تتراءى للقارئ ظلال الكاتب بين السطور.
الكاتب الأصيل مهما غير من التيمات التي يشتغل عليها فهو لابد أن يظل وفيا لأسلوبه مخلصا لقناعاته ومتطلعا لتلك الآفاق حيث تتحقق رؤاه. وفي حوارات عديدة لكتاب كبار عندما سئلوا لماذا لم يكتبوا سيرهم الذاتية، أغلبهم رد بأن سيرته منثورة في متنه السردي وأعماله التخييلية. وأظن أن الباحثين في هذا المجال غالبا ما استخرجوا للوجود حياة الكتاب وسيرهم من مؤلفاتهم. فالكاتب شأنه شأن أي مجرم محترف، فمهما حاول اقتراف نص إبداعي تخييلي خالص، كما يحاول المجرم ارتكاب جريمة تامة، فلن يفلح في محو كل الآثار. أقصد بصماته الخاصة جدا والتي تدل عليه.
أما عني أنا، فلا يخرج تصوري وفهمي للكتابة عما سبق ذكره. فوجود الذات داخل النص هي ما يمنح الكاتب تميزه وفرادته. ولولا حضور ذات الكاتب لأصبحت كل النصوص متشابهة. الجديد الذي أضيفه إلى مدونة السرد، ليس ما أنتجه من نصوص وإنما بصماتي الخاصة في معالجة تلك التيمات المشكلة لنصوصي. وذلك هو الأهم. أقصد أن نبصم أعمالنا بخصوصياتنا التي لا تشبه في جوهرها إلا نفسها. لكن هذا لا يعني أن النصوص الروائية هي مجرد سير ذاتية معادة بتقنيات السرد الروائي. إنما الذات تشكل بالإضافة إلى مرجعية الكاتب ومقروئياته وقدرته بل موهبته على خلق عوالم تخييلية، كلها روافد تصب في بحر الإبداع الروائي وعوالمه. فمرتكز ما أنجزه من نصوص هو تجاربي في الحياة وما حصلته من معارف عن طريق الكتب والتكوين وتلك القدرة على التخييل غير المكتسبة.
بصراحة أنا لست مؤهلا لتقييم المشهد الروائي حتى في المغرب فبالأحرى في بلدان المغرب العربي، ذلك أولا، لأن سؤالكم غير دقيق، وغير محدد بفترة زمنية مضبوطة
ثانيا، التقييم ليكون موضوعيا يتطلب قراءة فاحصة ومتأنية لمنجز الرواية في هذه البلدان، وفق منهجية إجرائية محكمة. وكما تعلمون، فهناك إشكالات كبيرة تتطلب بحوثا أكاديمية رصينة في هذا الصدد. ومنها نشوء فن الرواية في هذه البلدان، واللغات التي يعتمدها أبناء هذه المنطقة العربية في كتابة الرواية. والتيمات التي يشتغلون عليها؟ وما مقدار مساهمة الكتابة النسائية في تطور فن الرواية داخل هذه البلدان؟ وهل هناك اختلاف في ما يكتبه الجيل الجديد من الروائيين عن جيل الرواد؟ وهل هناك حضور مؤثر فعلا للرواية في هذه البلدان كمعطى ثقافي يسهم في بناء ثقافة جديدة؟ وهل تداول الرواية بين هذه البلدان قد نجح إلى حد ما في تكسير الحواجز والأسوار التي لا يدخر السياسي جهدا لإعادة إقامتها؟
أعتقد أن هناك أسئلة كبيرة ومهمة على المختصين أن ينبروا للنبش فيها. ومع ذلك لا يسعني إلا أن أقول لك، بأنه في ظل الشروط القاسية التي ينتج فيها كتاب المغرب العربي نصوصهم، وأقصد غياب أي دعم من أية جهة، هذا إذا أضفنا معضلات القراءة والتوزيع
والمنافسة الشديدة للوسائط الأخرى، فإن الكتاب يصبحون كمناضلين حقيقيين تدفعهم قناعاتهم الكبيرة بأوهامهم على اقتراف المزيد من النصوص. وهنا لا فرق بين روائي وشاعر أو قاص. الكل يزاوج بين انشغالات اليومي وإكراهات الحياة والكتابة الإبداعية. لكني مع ذلك مؤمن بكل كاتب له أسطورته الشخصية ومتأكد من نجاح صوته في الوصول إلى جمهور القراء. يقول باولو كويلو في روايته الكيميائي: " إذا كانت لك أسطورتك الشخصية فتأكد بأن العالم كله سيتواطأ معك لتحقيقها".
ولا أخفيك سرا بأن أصواتا جديدة حقيقية في مجال الإبداع الروائي بدأت نصوصها تصلنا من كل بلدان المغرب العربي، وساهم التعاطي مع وسائط الاتصال الحديثة، كالأنترنيت والجرائد والمدونات الإلكترونية، في تعرفنا على العديد من الأسماء الواعدة.
وأعتقد أن الروائي، يصغي جيدا لمحيطه ومنفتح بشكل رهيب على ما يدور من حوله، وله قرون استشعار خفية تقوده إلى حيث تتعذب الذات الإنسانية. الروائي وإن كان يعيش عصره فهو دائم البحث والتأمل في التفاصيل التي تقلق هذا العصر. وقد تكون تلك التفاصيل تعود إلى نشأة الكون. ولذلك فالتراث الجماعي لا يؤثر في لغة الرواية فحسب ولكنه يشكل في كثير من الأحيان المادة الخام لكل صرح روائي جبار.
الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدد مسار الكاتب وهي التي سوف تحكم الطريقة التي سينهجها في كتاباته. فهناك كتاب يكتبون للمستقبل أو يعتقدون ذلك، ويشتغلون بالطريقة التي اقتنعوا أنها هي المناسبة، ولا يهمهم أن يقرأهم جمهور عريض الآن. وهناك من اختار أن يكتب للحاضر ولا يهمه أن يقرأ في المستقبل. وهناك أيضا، من يجتهد ليكون ابن الحاضر ويستمر مؤثرا حتى في المستقبل. وأنا من هذه الفئة الأخيرة التي يهمها التركيز على ما يرتبط بما هو إنساني وما هو متأصل فيه. ولا أتعب نفسي أبدا بتعقيد المبسط بخلق لغة مغايرة، بل أنا منشغل دائما بجعل ذلك المعقد في حياتنا ونفوسنا بسيطا. وقد يكون هذا في حد ذاته تجريبا بمعنى ما.ن يشرعأن
أعتقد ذلك، لأن واقعنا متشابه. فأغلب الدول العربية تعيش أوضاعا سياسية واقتصادية مزرية. والكتابة عموما إبنة شرعية لبيئتها. فالكتاب العرب عموما منشغلون ببيئتهم ويهمهم أن يعروا ويفضحوا ما هو مسكوت عنه، ويسهموا إلى حد ما في توسيع مجال الحريات وتكوين رأي عام. فحاملوا القلم بصفة عامة بما في ذلك الصحفيون، هم من يجعل الحلم بعالم أجمل ممكنا. ولذلك فالعديد من النصوص الإبداعية وبخاصة الروائية، لكتاب عرب أتيح لي أن أطلع عليها، وجدت فيها تقاطعات وتقارب وجهات نظر كثيرة. فنحن نغرف في الغالب من روافد واحدة من حيث التكوين. فكلنا على المستوى العربي بدأنا تعليمنا بحفظ القرآن، فلغتنا بالضرورة ستكون مشبعة بقاموس مشترك، ثم تعليمنا وقراءاتنا فهي لا تخرج في مجال الأدب، عن تراثنا القديم ومتون رواد الأدب. لكن كما أشرت أعلاه، الذات الكاتبة هي التي تمنح للعمل الأدبي خصوصيته وتفرده. وأهم نقط التقارب بين الكتاب العرب حاليا هي المتعلقة بالتيمات التي يشتغلون عليها والعودة إلى الحكاية.
السؤال الثامن: ما مفهوم الزمان في خلق الرمز داخل الرواية؟

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire